ابن خلدون وفلسفة التاريخ

  • بواسطة

اما ابن خلدون فهو ابو زيد عبدالرحمن بن محمد بن خلدون ينتهى اصله الى بنى كنده الذين أقاموا بحضرموت قبل ظهور الاسلام ، وأثناء موجه الفتح الإسلامى انتقلوا الى الأندلس ، واستقر بهم المقام فى إشبيلية ، واستمروا هناك الى حين سقوط إشبيلية فى يد فريد ناند الثالث عام 1244م وبعدها انتقل بنو خلدون الى شمال افريقيه حيث استقروا نهائيا بتونس .

وفى تونس ولد عبدالرحمن بن خلدون عام 732هـ /1332م ، وقد نشأ ابن خلدون فى وسط علمى حيث كان والده فقيها يتولى بعض الوظائف الإدارية بتونس ، وقد نال ابن خلدون قسطا غير قليل من التعليم ، التحق بعدة وظائف حكومية ، وقد احاط ابن خلدون من خلال عمله فى بلاط الحكام بكثير من ألاعيب السياسية والمؤامرات التى شارك فيها أيضا .

وقد تنقل ابن خلدون بين بعض مدن المغرب فالى جانب تونس أقام ابن خلدون فى فاس حيث قريه السلطان ابو عنان اليه ، وأرسله سفيرا من قبله الى حاكم قشتاله عام 765هـ/1363م. ثم عاد بعد ذلك ابن خلدون الى تونس ومنها أخذ يتجول فى مدن شمال افريقيه مثل تلمسان وبجايه وغيرهما . ويبدو ان القلق قد صاحب ابن خلدون فى تلك الفتره وأحس ان حياته العلميه التى كان يميل اليها لا يمكن ان تستقيم فى المغرب ، لذلك عزم على التوجه الى المشرق الإسلامى .

والواقع ان ابن خلدون مثله مثل غيره من المغاربه والأندلسيين ادرك تماما ان مركز العلم والحضارة بالمشرق الإسلامى ، ونحن قد شاهدنا عددا غفيرا من علماء المغرب والأندلس اخذوا يرتحلون الى المشرق من اجل الاستذاده فى بحور العلم

وعلى هذا النحو عزم ابن خلدون على التوجه الى المشرق الإسلامى ودائما ما اتخذ العلماء المغاربه الحج الى بيت الله الحرام سببا فى خروجهم من بلادهم واراضيهم وهذا ما فعله ابن خلدون فقد خرج من المغرب عام 784 هـ /1382 م متوجها الى المشرق معلنا عزمه على اداء فريضه الحج

READ  جنكيز خان

وقد كانت رحله ابن خلدون هذه رحله بلا رجعه اما السبب الذى أدى عدم عوده ابن خلدون الى المغرب مره اخرى هو نتيجة الصعوبات التى واجهها فى المغرب فمن المعروف ان فتره الاضطراب السياسي التى شهدتها تونس فى ذلك الوقت أدت الى عدم تمكين ابن خلدون من متابعه الكتابه والتأليف والمعروف أيضا ان ابن خلدون كان قد خلا الى نفسه اكثر من مره لكتابه مستوده مقدمتها التى اعتكف لكتابتها فى احدى قلاع وهران وهى قلعه ابن سلامه كما انه شارك فى التدريس فى مدارس تونس لكن هذا لم يشغى نهمه العلمى لذلك ما ان وصل الى المشرق وعاش بين العلماء والمدارس المكتظة بطلبه العلم الا ورفض العودة مره اخرى الى المغرب

وقد استقر ابن خلدون فى بدايه وصوله الى مصر بالإسكندرية بعض الوقت والمعروف ان الإسكندينافية فى تلك الفتره كانت بمثابه مناره للعلم يشع نورها على حوض البحر المتوسط فقد امتلئت بالمدارس ودور العلم المتخلفه ولَم تقتصر الحركه العمليه بالإسكندرية على دور العلم فقط وإنما تعدت ذلك الى المنازل والدكاكين فقط لمعت فى تلك الفتره بمدينه الإسكندرية مجموعه من بيوت العلماء التى كانت بمثابه مراكز علميه زاهده قصدها طالبى العلم والمعرفه كما امتلئت الاسكندرية بالعملاء النابهين

ومهما بلغت شهره الاسكندرية العلميه الى ان ابن خلدون رغب فى التوجه الى القاهره التى هى عاصمه مصر عصر المماليك وبها عدد اكبر من المدارس ودور العلم كما انها تمثل قبله العلماء وبالإضافة الى ذلك فهى مركز الحكم والسلطان لذلك فضل التوجه الى القاهره التى كان يحكمها فى ذلك الوقت السلطان الظاهر برقوق (784-801هـ/1382-1399م ). ويبدو ان شهره ابن خلدون العلميه ومكانته الاجتماعية كانت قد سقته الى القاهره حيث رحب به السلطان برقوق ترحيبا كبيرا كما التف حوله العلماء وطلاب العلم ومن ثم وجد ابن خلدون البيئة والمناخ المناسب له وهو الذى حرم منه فى بلاد المغرب . وقد عهد اليه السلطان برقوق يتولى وطيفه قاضى قضاة المالكية وعلى الرغم مما احاط به من دسائس ومؤامرات نتيجه وشايه الحاقدين فانه عزل عن هذه الوظيفه وأعيد اليها اكثر من مره وقد تولاها أيضا بعد وفاة برقوق وولاية ابنه الناصر فرج …

READ  ابن كثير

وخلال فترات عزله عن ولاية القضاء انزوى ابن خلدون عن المجتمع حيث توالت عليه الاحزان نتيجه فقدان أسرته غرقاً اثناء لحاقهم به فى مصر وقد انزوى ابن خلدون فى الفيوم عام 797هـ/1394م يفكر فى امر تلك الحوادث والآلام التى لحقت به . وهو فى ذلك ينكب على الدرس والتأليف .

ثم سافر بعد ذلك الى الشام بصحبه السلطان فرج بن برقوق الى الشام عقب اضطراب الأحوال بها نتيجه ما اثاره تيمورلنك من اضطراب فى ممتلكات المماليك بهذه المناطق كما انه تقابل مع تيمورلنك عام 803هـ / 1400م وكان بين المفاوضين له حين حاصر تيمورلنك دمشق فى هذا العام وبعد عودته من بلاد الشام قضى ابن خلدون سنواته المتبقيه من عمره بالقاهره بين الدرس والتأليف وولايه القضاء حتى كانت وفاته عام 808هـ/ 1405م .

ومن بين المؤلفات العديده لابن خلدون اشتهر بمؤلفه النفيس عن فلسفه التاريخ وهو المسمى المقدمة والتى سبق ان أشرنا الى انه وضع مسودتها اثناء وجوده بالمغرب ثم صححها وأكملها بعد ذلك بعد رحيله الى القاهره وقدمها هديه الى السلطان الظاهر برقوق .

وقد وصلت هذه المقدمة الى درجه راقيه من التعمق الفكرى فى أسباب وعلل الأحداث ونتائجها وهو الامر الذى دعى فلاسفة الغرب ينظرون بإعجاب الى صاحب هذه المقدمة فقد وصفه هرنشو بقوله : شيخ مؤرخى العرب عبدالرحمن بن خلدون التونسي قد كتب فيما كتب مقدمه لتاريخ عام بلغت من سعه الإحاطة وصحه النظر وعمق الفلسفة .

ويبدو ان ابن خلدون اكتسب تجربه كبيره من خلال اشتغاله بالدواوين الحكومية المختلفة وتعرفه على أمور السياسه التى شارك فيها وما احاط بها من دسائس ومؤامرات كما انه نال تجربه اكبر من خلال تجواله بالكثير من البلدان حيث تعرف على احوال المجتمعات بنفسه وتأثير مختلف الأحداث على أفراد المجتمعات المختلفة بدو وحضر بالاضافة الى انه تقابل مع نماذج مختلفه من علماء المشرق والمغرب ومعنى ذلك ان ابن خلدون عندما تناول التاريخ بالكتابه لم يقبع فى زاويه بعيده عن المجتمع وإنما كتب التاريخ بوعى كامل وإحساس وتجربه لذلك جائت مقدمته فى صميم حياة البشر او كما يسميه ابن خلدون نفسه بعلم ” العمران البشرى “

READ  محمد علي وتجربة التحديث

وقد تناول ابن خلدون فى هذه المقدمة الحديث عن ماهيه التاريخ وما يحدث فيها ؟ وأشار الى علل وكيفيات حدوث الوقائع التاريخيه ثم تناول الأمور اللازمه للمؤرخ وتلك التى يجب ان يبعد عنها اثناء تناوله دراسه التاريخ وكذلك ضرورة اجزاء النقد والتمحيص اللازم للروايات التاريخيه المختلفة كذلك تناول أسباب قيام الدول وأسباب انهيارها وعقد مقارنه طريفه بين البداواه والحضارة كما شرح دور الأحوال الاقتصاديه فى الأحداث التاريخيه بصفه عامه وفى حياه المجتمع بصفه خاصه ثم تحدث عن الحكام والملوك والسياسه ومذاهبها كما تناول أشياء اخرى خاصه بما يسود المجتمعات من نظم ومظاهر حضاريه .

وفى نهايه حديثنا عن ابن خلدون نذكر ما قاله عن علم التاريخ ليشرح لنا ماهية التاريخ : فان فن التاريخ من الفنون التى تتداوله الامم والأجيال وتشد اليه الركائب والرحال اذ هو فى ظاهره لا يزيد على اخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الاول تنمو فيها الاقوال وتضرب فيها الأمثال وفى باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع واسبابها عميق فهو لذلك اصيل فى الحكمه عريق وجدير بان يعد فى علومها وخليق ” .

وفى مدرسه ابن خلدون تتلمذ على يديه عدد كبير من المؤرخين الذين حملوا لواء الكتابه التاريخيه فى مصر والشرق الإسلامى وسوف نتحدث عنهم فيما بعد .

من كتاب دراسات تاريخيه فى المصادر العربيه .للدكتور حامد زيان غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.