الشيعه

الشيعه

هم اقدم الأحزاب السياسة الاسلامية وهم شيعة على بن ابى طالب واتباعه وأنصاره كانت بدايتهم عقب وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) واجتماع المسلمين فى سقيفة بنى ساعدة لاختيار ابى بكر الصديق كخليفة للمسلمين والواقع ان هذا الاختيار لم يلق صدى فى نفوسهم اذ كانوا يَرَوْن ان على بن ابى طالب هو الأحق بالخلافة ونظرًا لانه لم يرد عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) نصاً صريحاً يعطى لعلى بن ابى طالب حق توليه الخلافة من بعده كما انه لم يعهد لأحد من المسلمين ولو كان هناك عهداً صريحاً لعلى . لكان رضى الله عنه احرص على المطالبة به ولكان المسلمون أشد حرصاً على تنفيذ وصية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . لذلك فقد لزم الشيعة جانب الصمت والسكوت خاصة بعد ان رأوْا موافقة على نفسه على مبايعة ابى بكر وانضوائه تحت لوائه .

ظلت هذه الرغبة أو الفكرة كامنة فى صدور الشيعة طوال عهد الخلفاء الراشدين ابى بكر وعمر وعثمان اذ لم يكن لهم اى نشاط سياسى ملموس وواضح خلال هذه الحقبة التاريخية . وكان اول ظهورهم على مسرح الأحداث السياسية عقب وفاة على بن ابى طالب وتنازل الحسن بن على عن حقه فى الخلافة لمعاوية بن ابى سفيان فجاهروا بتذمرهم من هذا الاتفاق وانكروا حق بنى أمية فً الخلافة واكتفوا بهذا فلم يقوموا بأى عمل عسكري ضدهم .

ظل الشيعة محافظين على سياسة ضبط النفس رغم استفزاز معاوية بن ابى سفيان لهم وإثارة مشاعرهم لاسيما بعد ان امر واليه على الكوفة المغيرة بن شعبة وأوصاه بأن { يشتم على ويذمه ، والترحم عَلى عثمان والاستغفار له ، والعيب على اصحاب على والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم } يقول استاذنا الدكتور جمال الدين سرور فى كتابه الحياة السياسية فى الدولة العربية الاسلامية . { فنفذ المغيرة هذه الوصية وصار كلما قام خطيباً يذم علياً وشيعته ويلعن قتلة عثمان ويستغفر له ويمجده } ولم يكتف معاوية وولاته بذلك بل قطع أرزاقهم ومنع عنهم عطائهم . فاستاء لذلك الشيعة بالكوفة وأنكر زعيمهم حجر بن عدى هذه السياسة وجهر بذلك امام الوالى الاموى المغيرة بن شعبة قائلاً : { ان من تدعون وتعيرون احق بالفضل وان من تزكون وتطرون احق بالذم } .

READ  كشف منابع نهر النيل

مر الصراع الشيعى الاموى بعدة مراحل :
المرحلة الاولى .
وقد اتسم فيها الصراع بالسلم وعدم اللجوء الى الحرب . ولجأت الشيعة للتصدى للأمويين بالكلمة والإنكار والحجة فعندما قام المغيرة بن شعبة يذم علياً كعادته اذ نهض حجر بن عدى فى المسجد وعلى مرأى ومسمع من الحاضرين قائلاً له : ( انك لا تدرى بمن هو احق بالمدح ومن هو احق بالذم أيها الانسان مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنها وليس ذلك لك ولم يكن يطمع فى ذلك من كان قبلك وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين ) . فكان لكلامه ابلغ الأثر فى نفوس الحاضرين فأظهر تأييدهم له بالانضمام الى صفوفهم .

لم يكتف الشيعة بذلك بل راحوا يعاملون الأمويين بالمثل فكلما قام واليهم على الكوفة يسب علياً على المنبر كانوا يتجمعون ويجهرون بلعن معاوية والبراءة منه ويحرضون الناس عليه فأمر معاوية بقتل زعيمهم حجر بن عدى وتعقب اتباعه ولجأ فى ذلك الى العنف والقسوة مما أدى الى انتشار دعوتهم فى شرق الدولة الاسلامية . خاصة بين اهل العراق الذين أصبحوا يبغضون بنى أمية ويفضلون عليهم اهل البيت .

المرحلة الثانية :
وتبدأ بعد وفاة معاوية بن ابى سفيان وولاية ابنه يزيد الخلافة سنة 60 هـ . وخروج الحسين بن على الى مكه رافضاً بيعته فاستغل الشيعة هذه الفرصة ونظموا صفوفهم وبلوروا افكارهم ووضعوا لهم برنامجاً محدداً يقوم على مبدأ اساسى وهو ( حصر الإمامة فى بيت على بن ابى طالب ولما كانت الإمامة هى وريثه النبوة يصير الامام معصوماً وطاعته عامة وملزمة ولا تجوز مناقشته .

انقسم الشيعة الى عدة فرق تفاوتت آراؤها بين الاعتدال والتطرف والمغالاة . وكان أكثرها اعتدالا فرقة الزيدية والامامية . فلم تكفر الزيدية أحداً من الصحابة ورأت جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل وبناء على ذلك فقد اقرت بإمامة ابى بكر وعمر وعثمان اما الإمامية فيرون ان الامام معين بالشخص وان كل نبى وصى فإذا كان محمداً النبى فعلى الوصى وأبناؤه أوصياء من بعده وهم معصومون من الخطأ .

READ  ثورة الجياع فى عهد الفراعنة

وفضلا من ذلك فقد ظهرت عدد من الفرق غالى أصحابها فرفعوا من مقام على بن ابى طالب على غيره من الصحابة وقالوا انه أفضل الخلق فى الدنيا والاخرة بعد الرسول ” صلى الله عليه وسلم ” وانه رضى الله عنه أعلاهم منزلة وأكثرهم حظاً ومزايا وكل من عاداه وابغضه فهو عدو الله . واستندوا فى ذلك الى عدد من الأحاديث نسبوها الى رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” .

كان تطبيق هذه المبادئ ينذر بحتمية الصدام المسلح بين الشيعة وبنى أمية هذا الصدام بدا عندما أرسل اهل الكوفة الى الحسين بن على بن ابى طالب كاتباً يسألونه القدوم عليهم ليولوه الخلافة ويخرجون تحت لوائه وقيادته على سلطان بنى أمية وكان مما جاء فيه ( ليس علينا امام فأقدم علينا لعل الله يجمعنا بك على الهدى ) . واستجاب الحسين بن لدعوتهم وخرج متجهاً الى الكوفة غير ان الدولة الأموية كانت بالمرصاد فجردت له جيشاً جرارا عليه أربعة من القاده الأشداء يرأسهم جميعاً القائد عمر بن سعد بن ابى وقّاص حيث التقى الطرفان فى مكان يقال له كربلاء فى اليوم العاشر من المحرم سنة 61 هـ وانتهت هذه الحرب بمذبحة دامية قتل فيها الحسين بن على وسبعة من أبناء السيدة فاطمة الزهراء بنت وسوّل الله ” صلى الله عليه وسلم ” وخمسة من أحفادها فضلا من فناء معظم من كان بالجيش من الاتباع والأنصار .

كانت موقعة كربلاء حداً فاصلاً فى تاريخ الشيعة خاصة والمسلمين عامة . فقد اثارت مشاعر البغض والكراهية ضد بنى أمية الذين انتهكوا حرمة رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” وحرمة اهل بيته فقتلوا احفاده ولم يمض على وفاته سوى خمسون عاماً من الزمان . كما انهم خالفوا تعاليم الاسلام التى تنادى بالرفق والعفو والرحمة . ونتيجة لذلك فقد انضمت أعداد كبيرة من المسلمين الى صفوف الشيعة الذين قاموا بتنظيم صفوفهم وإعداد الخطط للأخذ بثأر الحسين ممن قتله . وفى اول ربيع الاول سنة 65هـ اجتمع نحو أربعة آلاف رجل بقيادة سليمان بن صرد وكانوا جميعاً مزودين بالاسلحة فمضوا أولاً الى كربلاء حتى بلغوا قبر الحسين وهناك أقاموا يوماً وليلة يطلبون العفو والمغفرة من الله لخذلانهم له لذلك عرفوا بالتوابين ثم اتجهوا الى موضع يقال له عين الوردة من مدن الجزيرة فنزلوا فى غربها حتى وافاهم الجيش الاموى . ودارت بينهما معركة انتهت بهزيمة الشيعة وقتل زعيمهم سليمان بن صرد وعدد غير قليل منهم ثم رحلت فلولهم الى الكوفة وظلوا يتحينون الفرصة الملائمة للإطاحة بالحكم الاموى .

READ  المغول وسقوط بغداد

كان من اخطر ثورات الشيعة فى العصر الاموى ثورة المختار بن ابى عبيد الثقفى الذى جمع صفوفهم ونظم جموعهم واستمال اليه أعداد كبيرة من موالى الفرس الناقمين على الحكم الاموى والمؤيدين لآل البيت . ونادى بالثأر لمقتل الحسين وأحقية ابن الحنيفية – وهو اخ غير شقيق للحسن والحسين – للإمامة . ودارت بينهما معركة ضارية انتهت بهزيمة الجيوش الأموية وتعقب المختار قتلة الحسين فقتل عمر بن سعد بن ابى وقّاص وعبيد الله بن زياد وحُملت رأسه الى المختار فأرسله الى ابن الزبير بمكة .

تعددت وتوالت ثورات الشيعة طوال العصر الاموى فلم تكد تنته ثورة حتى تنشب اخرى . ولا شك ان هذه الثورات كان لها ابعد الأثر فى أضعاف الحكم الاموى واستنزاف موارده واهتزاز كيانه لاسيما وان الشيعة لم يتخذوا العراق مركزاً لنشاطهم فحسب بل امتد نشاطهم السياسي الى شرق الدولة الاسلامية خاصة اقليم خرسان حيث لقت دعوتهم استجابة من الفرس الذين كانوا يمجدون النظام الوراثى فى الحكم وانحساره فى البيوتات الكبيرة ذات الشأن كما جمع بينهم بغضهم للحكم الاموى ورغبتهم فى الإطاحة به لذلك فقد انتشرت مبادئ الشيعة فى هذه المنطقة وكانت دعوتهم هناك تمهيداً للدعوة الهاشمية التى أسفرت بعد ذلك عن قيام الدولة العباسية .

(من كتاب ( تاريخ الدولة العباسية
د : أمل ابراهيم ابو سته