المغول وسقوط بغداد

لمغول – وسقوط بغداد:
المغول شعب يشبه الترك فى اللغه والمظهر العام ، موطنهم الأساسى المنطقة الواقعة فى وسط اسيا بين نهرى سيحون وچيحون من الغرب ، وحدود الصين الجبلية من جهه الشرق حتى أقصى الشمال الشرقي لآسيا ، ويمكن اعتبار هضبه منغوليا هى الموطن الاصلى لهذه القبائل .
اما عن صفاتهم الجسدية فكانوا متقاربى الشبه والخلقه ، ويتمتعون بصفات بدنيه تناسب البيئة التى عاشوا فيها ، فقد كانت وجوههم عريضه ورؤسهم كبيره وأنوفهم فسطاء

وخدودهم بارزه وعيونهم صغيره غائرة ، وشعورهم سوداء خشنه ، وجلودهم سمراء تميل الى السواد قد لفتحها الشمس وأثرت فيها الرياح والثلوج وهم قصيروا القامه طو اجسام ممتلئه ، وافخاذهم قويه العضلات حتى يستطيعوا ان يتحملوا الحياه فى هذه المناطق الشاسعة التى تجتاحها الرياح والثلوج فى الشتاء ، والحرارة الملتهبة فى أسابيع الصيف .
كان المغول يتغذون بلحوم الحيوانات على اختلافها من خيول وكلاب وذئاب وثعالب ، وغذاؤهم قليل خاصه فى الشتاء اذ تقسو عليهم الطبيعه ، ولهم طريقه فى حفظ اللحوم فكانوا يقطعونها شرائح ويعلقونها فى الشمس والهواء لتجف دون ان تعتريها العفونه ، وكانت ملابسهم بسيطه ومصنوعة فى الغالب من أصواف الأغنام او وبر الإبل او جلود الحيوانات ،

ولَم يكن يوجد فرق كبير بين ملابس الرجال وملابس النساء ، وكان من عاده المغول انهم كانوا لا يغيرون ملابسهم طوال الشتاء ، اما فى الصيف فيكتفون بتغيرها مره واحده فى الشهر ، ومن عادتهم أيضاً الا يغسلوا ثيابهم بل يتركونها حتى تبلى ، وكانوا يطلون اجسامهم بالشحم إتقان البرد والرطوبة ، وقد تميز المغول بركوب الخيل والسعى لاكتشاف المراعى والماء واستخدام الاسلحه ، وقوه الاحتمال ، وحب المخاطرة واتساع الأفق ، وحب التسلط مما جعل منهم جنودا بارعين ، على أهبه الاستعداد فى كل لحظه .
اما عن ديانتهم فتسمى الشامانزم وهى عباده مظاهر الطبيعه من سماء وشمس وغيرها وان اعتقد بعضهم بوحدانيه الله خالق السماء والأرض .

كان المغول بدو رحل ورعاه ، ينتقلون من مكان لآخر سعيا وراء المراعى والأعشاب ، وكانت حياتهم تقوم على السلب والنهب والإغارة على الممالك المتحضرة فى الصين وبلاد ما وراء النهر وإيران ، ورغم الضربات الشديده التى كان ينزلها حكام هذه الممالك بهم ، فانهم لم يكفوا عن الاغاره عليهم ، مما دفع الصينيون لاقامه سور الصين العظيم تصديا لهم ودفعاً لافسادهم . ظلت هذه القبائل فى تنافس وتنازع حتى ظهر من بينهم شاب “اسمه تيموجين” نشأ يتيما وكان ابوه زعيما لأحد القبائل ، فلما توفى انفض أفراد قبيلته من حوله ، واستصغروا

شأنه واستضعفوه ، فعاش مع أمه وإخوته فى بؤس وشقاء ، يعيشون على صيد الحيوانات واكل لحومها وبيع جلودها ، وكان فى استطاعه تيموجين ان ثلاثه او اربعه ايّام بدون طعام ، وفى بعض الأيام كان يقطع وريدا من أورده فرسه الذى يركبه ليرشف رشفه من دمه ثم يسد الوريد ويواصل سيره .
هذه المحن والصعوبات التى عاشها أصقلته واكسبته المقدّره على تحمل المشاق وأخرجت منه رجلا صلباً أدهش العالم بقوته وجبروته وبطشه ، ولما بلغ تيموجين السابعه عشر من عمره ، استطاع ان يجمع شمل أفراد قبيلته وخضعت له القبائل المجاورة ، ثم تمكن بقوته ودهاءه ان يخضع جميع قبائل المغول تحت نفوذه ، وتوجت جهوده بالنجاح فى سنه 600هـ ، عندما ظهر فى الوجود دوله المغول .

وضع تيموجين لدولته دستوراً شهيراً لينظم الحياه العامه فيها ، وقد عرف باسم” الياسا ” او “اليساق ” وهى كلمه تركيه قديمه تعنى القانون الاجتماعي ، وكان يحتوى على التنظيمات العسكرية ،

فضلا عن مواد لتنظيم الحياه المدنية مثل تحريم السرقه وقطع الطرق ، كما نظمت الحياه العائلية أيضاً فأصبحت المرأه تتمتع باستقلال واسع واحترام عظيم ، ولَم يعد دورها يقتصر فقط على اداره البيت وتربيه الأطفال ، بل تعد ذلك الى المشاركه فى الحرب والقتال ومرافقه الجيش والاهتمام بالمحاربين .
ومع ذيوع صيته وسياده تعاليمه وشهره تنظيماته وخضوع جميع اصقاع منغوليا لسلطانه ، بدأ يعتقد جازماً انه يحمل تفويضا إلهياً بحكم البلاد ، وكان يردد مع المغول عبارته الشهيرة ، هناك شمس واحده فى السماء ، وسيد واحد على الارض . واتخذ لنفسه “لقب جنكيزخان” بمعنى سيد البشر وأعظم حكام الارض . وجه جنكيزخان عنايته نحو توسيع رقعه بلاده ، فاتجه الى امبراطوريه مين فى الصين الشمالية وأخضعها لسلطانه سنه 612هـ ، وغنم غنائم كبيره واستولى على كنوز ونفائس ملوك الصين ، مما كان له اكبر الأثر فى ترقيه حياه المغول ، الذين اخذوا ينهلون من الحضاره الصينيه الكثير من المظاهر . مثل صناعه الخيام من الحرير، وتزيين سيوفهم بالجواهر ، واستعمال البارود .
ومع استيلاء جنكيزخان على الصين الشمالية ، تجاورت امبراطوريه المغول المترامية الأطراف مع الدوله الخوارزمية الاسلاميه العظيمه ، وبدأت كل منهما تقف موقف المتربص بالأخرى

READ  سياسة مصر الخارجية فى عهد الفراعنة

حرص جنكيزخان فى البدايه على اقامه علاقات طيبه مع الدوله الخوارزمية ، فأرسل سفاره الى علاء الدين خوارزمشاة يؤكد على طلب المسالمة والموادعة ، ويبحث وسائل تنشيط التجاره بين البلدين ، وتشجيع التجار المسلمين على القدوم الى بلاد المغول للربح والتجارة ، وأرسل معهم بعض الهدايا منها قطعه من الذهب الصامت من جبال الصين فى حجم سنام الجمل وبعض المعادن النفيسه ، ونوافج المسك وبعض الثياب المصنوعة من وبر الجمل الأبيض ، وكان الثوب منها يباع بخمسين ديناراً او اكثر ، وغيرها من الهدايا .

وكانت فحوى رسالتهم { ان الخان يسلم عليك ، ويقول ليس يخفى على عظيم شأنك وما بلغت من سلطانك ، ولقد علمت بسطه ملكك ، وإنفاذ حكمك فى اكثر أقاليم الارض ، وانا ارى مسالمتك من جمله الواجبات ، وانت عندى مثل أعز اولادى ، وغير خاف عليك أيضاً أنى ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك ، وقد أذعنت الى قبائلهم ، وانت اخبر الناس بان بلادى مثارات العساكر ، ومعادن الفضه ، وان فيها لغنيه عن طلب غيرها ، فان رأيت ان تفتح للتجار فى الجهتين سبل التردد عمت المنافع وشملت الفوائد } .

ولكن لم تدم العلاقات الطبيه بين الطرفين طويلاً . فسرعان ماتكدر صفو العلاقات بينهما عندما قام حاكم مدينه اثرار الواقعة على الحدود الشرقية للدوله الخوارزمية بالاعتداء على احدى القوافل التجاريه ، وكانت مكونه من أربعمائة وخمسين رجلاً من المغول وخمسمائة جمل محمله بالبضائع من الذهب والفضه والجوهر . فألقى القبض عليهم وقتلهم جميعاً ، فاستولى على اموالهم ، متهماً إياهم بالجاسوسية ، ولَم ينج منهم سوى واحداً تمكن من الهرب الى بلاد جنكيزخان وأخبره بتفاصيل المذبحه .

أبدى جنكيزخان ما كان قد راود نفسه عليه من ضبط النفس والحلم عند الغضب ، وأرسل الى علاء الدين خوارزمشاه سفارة يطلب تفسيراً او توضيحاً لما حدث ، ويطالبه بتسليم حاكم اترار لمعاقبته ، وكان رد السلطان خوارزمشاه غير متوقعاً فقد قام بقتل الرسول ، وأطلق رفيقاه بعد ان حلقت لحياهما ليخبرا جنكيزخان بما حدث ، فرد قائلاً { لا يجتمع شمسان فى سماء واحده ، ولا يجوز ان يبقى خاقانان على ارض واحده } ، وأرسل الى خوارزم شاه رساله مقتضبه تنذره بسوء عاقبه تصرفه .
بدأ جنكيزخان يعد العده لحرب شامله لا تبقى ولا تذر .

فقسم جيشه الى اربعه جيوش الاول بقيادة ابنيه جغتاى واكتاى ، ومهمته فتح اترار والقبض على حاكمها للثأر منه ، والجيش الثانى تولى قيادته ابنه جوجى ووجهته البلاد الواقعة على ساحل نهر چيحون ، والجيش الثالث مهمته فتح البلاد الواقعة على نهر سيحون ، اما الجيش الرابع فيتكون من اغلب قوات المغول ويقوده جنكيزخان وابنه تولى ووجهته وسط اقليم ما وراء النهر .
اجتاحت هذه الجيوش الدوله الخوارزمية التى لم تستطع الصمود أمامهم ، وتوالى سقوط مدنها فى أيديهم . فاستولى على جند وفرغانه ،

والبلاد الواقعة على نهر سيحون ، ودانت لهم بلاد ما وراء النهر باكملها ، وبلاد العراق العجمى فاستولوا على بخارى وسمرقند الرى وهمذان وقزوين وأذربيجان وبلاد الكرج وخراسان وخوارزم وغيرها .
اتسمت هجمات المغول على البلاد الاسلاميه بطابع الوحشية والهمجيه ، فقد أشاعوا الخراب والدماء والقتل والتشرد والنهب ، فكانوا يهجمون على المدن الاسلاميه فيقتلون سكانها عن بكرة ابيهم ، وأحياناً كانوا يجبرون اخرين على مغادره مدينتهم دون ان يحملوا معهم الا ما يسترهم من ثياب ، وكانوا ينهبون المساجد ، وسنابك خيولهم تطأ أوراق القران الكريم ، ويغتصبون النساء ، ويأسرون الرجال ، ويقتلون الأطفال ويقال ان جنكيزخان جمع الناس بموضع صلاة العيد فى مدينه خوارزم وخطب خطبه وصف نفسه فيها بأنه { غضب الله الذى سلطه على البشر لسوء فعلهم } .
لم تنج من هذه المذابح أسره السلطان علاء الدين ، فقد تمكن جنكيزخان من اقتحام القلعة التى كانت تتحصن فيها أمه أركان خاتون والأميرات اولاد السلطان وتم قتل الأولاد جميعهم ، اما الأميرات فقد تم أسرهن وتوزيعهن على أمراء المغول ، اما الام تركان خاتون فقد سيقت الى منغوليا حيث توفيت فى أسرها سنه 630هـ ولدى مغادرتهم ارض الوطن سمح لملكه والبقيه الأميرات والنساء بالعويل والصراخ تعبيراً عن حزنهن .

READ  الهجرة النبوية

اما السلطان علاء الدين فلم يجد أمامه مفراً من الهرب ، وأخذ وتنقل من بلد لأخرى والمغول يتعقبونه ، وصادف ذلك فصل الشتاء حيث البرودة القارسه ، وانتهى به المطاف الى جزيره صغيره تقع بالقرب من مصب نهر جرجان وقد وصل اليها وهو يقاسى من التهاب الرئه وقد بلغت حالته درجه من السوء لم يبق معها أمل فى الشفاء ، وكان يعيش على صدقات اهالى ألجزيره ، وكان يقول { لم يبق لنا مما ملكنا من أقاليم الارض ذراع نحفر فنقبر فيه ، فما الدنيا لسكانها بدار ، ولا ركونه اليها سوى انخداع واغترار } ، وعند وفاته لم يكن لديه ما يكفى لشراء كفنه فكفنه احد اتباعه بقميصه ، وكان قد أوصى بالسلطنة من بعده لابنه جلال الدين منكبرتى . الذى حاول التصدى للمغول واسترداد عرشه وملكه ، فدخل معهم فى عده حروب انتهت بمقتله على احد الأكراد وسقوط الدوله الخوارزمية فى يد المغول . وبذلك اصبح المجال مفتوحاً أمامهم لاجتياح العراق .

دخول المغول بغداد وزوال الخلاقه العباسية :
كانت الخلافه العباسية آنذاك تمر بمرحله من الضعف والتردى ، وكان يحكمها الخليفة المستعصم بالله الذى وصفه معاصروه بانه كان ( مستضعف الراى ضعيف التدبير والتيقظ ، غير عارف بمشاكل عصره، غير مهيب فى النفوس ، مغرماً باللهو ).
وكانت تحيط به حاشيته لا تقل افساداً وضعفاً وسوءاً ، ومن ابرزهم صديقه ومستشاره الخاص عبدالغني بن الدرنوس الذى كان فى مبدأ أمره حمالاً فى بغداد ، ثم اصبح احد براجى الخليفه فى عهد المستنصر بالله ، مما مكنه من الاتصال بولده “ابى احمد عبدالله” الذى تولى الخلافه فيما بعد ولقب بالمستعصم بالله ، فلما صار خليفه قربه اليه ، وعينه حاجباً على بابه وقدمه على سواه ، وصار الوزير ينهض له اذا دخل اليه ، وأطلق يده فى شؤون الدوله فكان يولى ويعزل من يشاء ، وتحكم فى الدواوين وفى بيت المال . ولَم يشاركه فى النفوذ والسلطه سوى عدد من القاده العسكريين الذين تصارعوا لاستئثار بالسلطه والمال .

فى ظل هذه الظروف أخذ المغول بقياده هولاكو يطرقون أبواب بغداد ، ودارت بينهم وبين جيوش الخلافه عده مناوشات . اعتقد انها كانت ذات مهمه استطلاعية للتعرف على مدى قوه وضعف جيوش الخلافه للاستعداد لها .
اما بدايه الاحتكاك الفعلي بين المغول والخلافة فكان مع اعلان هولاكو الحرب على الإسماعيلية فى شرق الدوله الاسلاميه ، فأرسل للخليفه يطلب منه الإمدادات والمساعدات للقضاء على تلك الطائفه . فلم يستجب لمطلبه خشيه ان يكون ذلك مكيدة استهدف من خلالها ان تخلو بغداد من جيشها فينقض هولاكو ويستولى عليها .
لما فرغ هولاكو من محاربه الإسماعيلية ودحرهم ، قصد همذان وأرسل رساله الى الخليفه يلومه ويوبخه على تخاذله عن مساعدته ويهدده ويتوعده ، وكان مما جاء فيها { لابد انك قد وصل الى شخصك على لسان الخاص والعام ، ماحدث للعالم على ايدى الجيوش المغربيه منذ عهد جنكيزخان ، وعلمت أية مذله لحقت بأسر الخوارزميين والسلاجقة وملوك الديلم والاتابكه وغيرها ممن كانوا ارباب العظمه واصحاب الشوكه ، ومع ذلك لم يغلق باب بغداد قط فى وجه اى طائفه من تلك الطوائف التى تولت هنا السياده ، واعلم أننى اذا غضبت عليك وقدت الجيش الى بغداد فسوف لا تنجو منى ولو صعدت الى السماء او اختفيت فى باطن الارض } .
رد الخليفه برسالة مماثلة مهدداً إياه ان حاول غزو بلاده ، وتعقبت العامه رسل هولاكو بالأذى والتعذيب وربما كان رد الخليفه مبعثه اطمئنانه لوجود ألقوه الأيوبية والمملوكة فى مصر والشام .

وانه ذَا ما دعاهم يسلبون دعوته ، غافلاً بذلك عما كان يعتريهم من عوامل ضعف وانقسام . اما هولاكو فلما علم بما حدث لرسله . وجد انه لا مفر من خيار الحرب وأرسل رساله اخرى للخليفه يخبره بذلك ، وينذره إنذار نهائياً جاء فيها..( ولقد انحرفت عن طريق آبائك واجدادك اذا فعليك ان تكون مستعداً للحرب والقتال ، فإنى متوجه الى بغداد بجيش كالنمل والجراد ).
ولا شك ان الهدف من هذه الرسائل اثارة الخوف والاضطراب والانقسام فى الجبهة العباسية .
تجلى هذا الانقسام عندما استطلع الخليفه رأى اتباعه وخواصه ، فقد أشار عليه وزيره ابن العلقمى ان يلجأ الى الدهاء والمداراة ليكسب ود المغول ببذل المال والنفائس . وقال { ينبغي ان تدفعه ببذل المال ، لان الخزائن والدفائن تجمع لوقاية عزه العرض وسلامة النفس ، فيجب إعداد حمل من النفائس ، و

READ  الهجرة الى الحبشة

ألفا من نجائب الإبل ، وألفا من الجياد العربيه المجهزة بالالات والمعدات ، وينبغي إرسال التحف والهدايا فى صحبة الرسل الكفاءه الدهاه مع تقديم الاعتذار الى هولاكو وجعل الخطبة والسكه باسمه } . كان الوزير واقعياً ومدركاً حقيقة الوضع ، وكان رأيه مبنياً على معطيات عديده ، فالجيش المغولى الذى استطاع ان يجتاح شرق العالم . ويسقط كل ما صادفه من مماليك وامبراطوريات . قادر وبكل يسر ان يجتاح بغداد ويسقط الخلافه ، ولن تعوقه أية عوائق لا عسكرية ولا حتى روحية . فالجيش العباسي اضعف من ان يتصدى للمغول ، وإذا كان للخلافه العباسية بقيه من احترام وهيبة فى نفوس رعاياها المسلمين . فالامر ليس كذلك بالنسبة للمغول . ومن هنا كان رأيه فى الجنوح للسلم .
اما الخليفة فكان اضعف من ان يدرك حقيقة قوته . ومال الى رأى بعض الأمراء والقاده العسكريين الذين وعدوه بالدفاع عن بغداد ، والتصدى لجيوش المغول . وأخذ يستعد لحرب هولاكو الذى قام بدوره بتقسيم جيوشه ، ووضع الخطط لمهاجمة بغداد وحصارها .

وهناك روايه اخرى ذكرها ابو الفدا فى (مختصره) يذكر ان الوزير ابن العلقمى كان رافضياً وكان أهل الكرخ روافض ، فجرت فتنه بين السنه والشيعه على جارى عادتهم ، فأمر ابو بكر ابن الخليفه وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرح وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش ، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى ، وكاتب التتر واطعمهم فى ملك بغداد وأرسل اليهم اخاه يستدعيهم ، فساروا قاصدين بغداد فى جحفل عظيم ، ولعظم وشناعه هذه التهمه فلابد ان نأخذها عَلى حذّر لاسيما وانه ليس لدينا دليلاً مؤكداً او وثيقه دامغه تؤكد ذلك

كما ان هذه التهمة كانت شائعة فقد سبق واتهم بها الخليفه الناصر بالله العباسي نفسه . واتُهم بها غيره . ثم كيف يأمن الوزير ابن العلقمى للمغول وهو اعلم بهم وبوحشيتهم مع سكان البلاد التى اجتاحوها من قبل ؟ الامر الذى يثير الشك فى صدق هذه الروايه .
خرجت جيوش المغول بجحافلها وآلاتها وعدتها نحو بغداد . فلما وصلت الى دينور بالقرب من همذان وتأكد الخليفة من صدق تهديدات هولاكو ، وأيقن بالهلاك ، تراجع عن موقفه وأرسل له رساله مع رسوله شرف الدين بن الجوزى يطالبه فيها بالعوده الى بلاده ، ويعده بدفع جزية سنوية اذا استجاب لمطلبه ، فرد عليه وقال { لقد قطعنا طريقاً طويلاً ، فكيف نرجع دون ان نرى الخليفة ، اننا بعد ان نتشرف بالمثول بين يديه وبعد ان نتحدث معه سنسمع اوامره ونعود مباشرة } .
ووصلت جيوش هولاكو الى بغداد فحاصروها . وأمر أهل بغداد بوضع سلاحهم والخروج من مدينتهم ، فما كادوا يلبون طلبه حتى انقض عليهم فقتلوهم شر قتلة ، ودخلوا المدينه يعيثون فيها فساداً وتخريباً فهدموا مساجدها، ونهبوا القصور والبيوت ، واقتحموا المكتبات والمدارس وأتلفوا ما فيها من كتب وذخائر ونفائس لا تقدر بثمن ، وقتلوا العلماء وأئمه المساجد وحملة القران ، وظل ببغداد اربعين يوماً بين سلب وقتل ونهب وتخريب ، ثم نودى بالامان فخرج من تحت الارض من اختفوا فى المطامير والمقابر ، ومن لجأ الى الآبار والحشائش كأنهم الموتى وقد نشبت قبورهم وقد أنكر بعضهم البعض فلم يعرف الأب ابنه ولا الاخ اخاه ، ثم انتشر الوباء وفسد الهواء ، وعم البلاء . اما الخليفة العباسي المستعصم فقد بطش به المغول وقتلوه رفساً .
وهكذا زالت الخلافه العباسية . وطويت اخر صفحاتها بعد ان استمرت اكثر من خمسه قرون من الزمان . مخلفة وراءها حسره فى نفوس المسلمين .

من كتاب تاريخ الدوله العباسية
للكاتب د( أمل ابراهيم ابو سته )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.