النحت فى الحضاره الفرعونيه

النحت فى الحضاره الفرعونيه

هو فن المجسمات ذات الأبعاد الثلاثية ( الطول ، والعرض ، والسمك ) . وبنظرة على ما خلفته الدولة الحديثة من تماثيل نجد ان بعضها يعبر عن المثالية بقوة ووضوح والبعض الاخر يعبر عن الواقعية بالاضافة الى التماثيل التى تمثل المدرسة الآتونية وتلك التى جمعت بين المثالية والواقعية .
وإذا كان فن النحت فى الدولة الحديثة كغيره من الفنون الاخرى ( النقش والرسم ) يمثل الى حد كبير امتداداً للخصائص الرئيسية لنفس الفن فى الفترات السابقة الا ان الدولة الحديثة قد تميزت بعاملين جديدين أولهما : اتساع حدود مصر وتكوين امبراطورية مترامية الأطراف شملت بعض مناطق من الشرق الأدنى القديم ؛ وثانيهما : ظهور الفكر الدينى الآتونى الذى تبناه “اخناتون” .

وقد أدى العامل الاول الى ان يكتسب فن النحت بالاضافة الى خصائصه السابقة قوة ورشاقة وإحساساً فنياً وفهماً أكثر للعناصر التشريحية لأجساد الكائنات الحية .
وأصبح فن نحت التماثيل فى عنصر الدولة الحديثة أشد تعبيراً منه فى اى عصر مضى بل وأكثر زخراً بالحياة وأكثر تحرراً وذلك بقدر ما تسمح به صفته الرسمية وسلطة الكهنة والتقاليد التى تفرضها مقتضيات الطقوس الدينية .

وكان لابد لفن نحت التماثيل من ان يهتم بما ظهر من ثياب جديدة كالثياب ذات الثنيات الطويلة البديعة والعقود العريضة والحلى وأغطية الرأس الكبيرة .
وفى الوقت الذى كانت العمارة تستخدم فيه كتلاً اكبر حجماً من ذى قبل فإننا فى مقابل ذلك نرى الأجسام وقد مالت الى الاستطالة والحركات وقد ازدادت طراوة ومرونة . ولعلنا نلاحظ ان فن نحت التماثيل قد اكتسب من المرونة والرشاقة ما أفقده بعض الفتوة .

وقد أدت المبالغة فى هذه الصفات فى غضون الاسرة التاسعة عشرة الى التكلف والمثالية الزائدة عن الحد فى بعض الأحيان . وتدل اعمال النحت التى ترجع لأواخر الاسرة السابعة عشرة على ان تقاليد عصر الدولة الوسطى الفنية لم تتأثر كثيراً بفترة الاحتلال التى مرت بها البلاد فتمثال الملكة “احمس نفرتارى” زوج الملكة “احمس الاول” فى سمات البساطة والوقار ويبشر بازدهار فى فن النحت لم يلبث ان تحقق فى وقت قصير.
وسرعان ما ظهرت الروائع الفنية والدليل على ذلك التمثال الرائع للملكة “حاتشپسوت” الذى وجد فى معبدها فى “الدير البحرى” ويمثلها فى زى الرجال اذ يبدو الجسم فى مظهر رجولة وعلى شئ من الصلابة ولكنه مع ذلك مفعم بالجمال والحيوية . وتدل قسمات الوجه على كل الرقة والدهاء الخليقين بالأنثى وقد اقترنا بإرادة لا تقهر .

READ  النقش والرسم فى الحضاره الفرعونيه

وقد تحققت نفس الصفات التعبيرية فى تمثال “تحتمس الثالث” المحفوظ بالمتحف المصرى بالقاهرة والذى يمثله وهو يطأ بقدميه الأقواس التسعة ونفس الشئ فى مجموعة “تحتمس الرابع” وأمه والمحفوظة بالمتحف المصرى أيضاً .
وتدخل مجموعة التماثيل الضخمة التى تصور الملك “امنحتپ الثالث” وزوجته “تى” فى نطاق التماثيل التقليدية التى سوف ينالها تغيير هام وعميق واعتباراً من هذا العصر .

والجدير بالذكر ان الازدهار الفنى العظيم لعصر الدولة الحديثة قد بدأ منذ عهد “أمنحُتپ الثالث” بالذات . وفى المتحف البريطاني تمثال بديع لوجه هذا الملك نجد فيه قوة التشكيل بمهارة فائقة . وتتحقق فى هذا التمثال السمات المميزة لتمثال العظماء فى عهد “امنحتپ الثالث” كالعيون المشقوقة على هيئة اللوزة والتى تميل زاويتها الى الداخل وترتفع من ناحية الصدغين والفم الذى ترتسم عليه بسمة غامضة شاردة .
وقد تأكد هذا الازدهار فى عهد “امنحتپ الثالث” وهذا الاتجاه الفنى وذلك فى تمثاله الرائع الذى عثر عليه فى خبيئة معبد الأقصر والمعروض حالياً فى متحف الأقصر .

وقد قامت حركة “اخناتون” الدينية فى الوقت الذى كانت فيه مدرسة “امنحتپ الثالث” الفنية قد أخذت تتأصل وتفرض وجودها فتركت هذه الحركة بصماتها على فن هذه الفترة خصوصاً فى فن النحت .
ولم تكن محاولة التخلص من القواعد الفنية التقليدية لتجد طريقها دون ان تقابلها بعض الصعوبات الناتجة عن قلة عدد الفنانين الذين كان فى مقدورهم تبنى وتنفيذ القواعد الفنية الجديدة .
وجاءت المدرسة الآتونية معبرة عن الفكر الدينى الجديد الذى تبناه “اخناتون” فالوجه مستطيل ، والرقبة طويلة ، والشفتلت ممتلئتان ، والصدر أنثوي ، والبطن مترهلة ، والفخذان متضخمتان ، والساقان نحيفتان .

والواقع ان كل ما يبدو فى قسمات وجه الملك يمثل إيماناً يحطم كل إرادة معادية حتى وان كان هذا الإيمان مصحوباً بموت عاجل او بفشل محقق كما يمثل هموماً تعبر عن ثقل المسئولية التى يحملها على كاهله .
وقدر لهذه المحاولة الجديدة ان تفشل دينياً وفنياً وبالتالي لم يقدر لفن الآتونى الدوام . الا ان ما بقى منه يتسم بالجمال ويشير الى حياة طبيعية تسودها الألفة والمحبة . وقد تجلت هذه السمات حتى فى التماثيل الملكية وهو ما لم يكن معهوداً من قبل . فالحياة الخاصة للاسرة المالكة قبل وبعد “اخناتون” كانت ملكاً لها ولم يكن من حق الشعب ان يعرف شيئا عنها ولم يكن بالإمكان التعبير عنها او إظهار المشاعر الطبيعة لهؤلاء الخاصة بصورة من الصور .

READ  العرب (موطنهم - أنسابهم )

اما فى عهد “اخناتون” فنجد الملك لا يمانع فى تصوير نفسه وهو يعبر عن مشاعره الطبيعية نحو أفراد أسرته فسمح بأن يصوره وهو يضم زوجته الملكة “نفرتيتى” فى رقة او وهو يمسك بيديها . ولم يكن هناك أيضاً من بأس فى ان يمثل الملك وهو يقبل طفلا من اطفاله او يصور وهو فى نزهه مع زوجته واطفاله .
والواقع ان التماثيل والنقوش التى عثر عليها والتى ترجع الى ذلك العهد تمثل مدرسة فنية متميزة وهى مدرسة بنى فيها الفن على مبدأ التأمل الباطن المعبر الذى يميل مع ذلك نحو الجانب العاطفى والمعنوى اكثر مما يميل نحو الحقيقة المادية الخالصة .

والواضح ان الفنانين الذين لجأ اليهم “اخناتون” قد درسوا التشريح ووعوه تماماً ويتضح ذلك من مجموعة الاقنعة الجصية والقوالب التى عثُر عليها فى “تل العمارنة” .
وانتهت تجربة المدرسة الآتونية ولكن ملامحها لم تندثر حيث ظل بعضها قائماً فى عهود “توت عنخ آمون” و”آى” و “حور محب” .
واحتفظت الاسرة التاسعة عشرة بالتقاليد الخاصة بالرقة والرشاقة والتى كانت متبعة فى نهاية الأسرة الثامنة عشرة . ومن اجمل التماثيل التى تتجلى فيها الدقة المتناهية تمثال “رعمسيس الثانى” المحفوظ بمتحف “تورين” بإيطاليا .

وسار الفنانون فى الاسرة العشرين على نفس النمط وان اختفى الجمال الفنى وحل محله شئ من التكلف المفعم بالركاكة .
ولن نرى بعد ذلك تقدماً فى فن نحت التماثيل الا حين يكون الفنان بصدد التعبير عن ملامح غير مألوفة تضطره الى ان يستلهم المثل الحى ويبدو ذلك واضحاً فى المجموعة المحفوظة بمتحف القاهرة والتى تمثل “رعمسيس السادس” وهو يصرع أسيراً ليبيا .
ومنذ بداية الاسرة الثامنة عشرة ابتكر النحات أسلوباً جديداً ترجع جذوره الى ايّام الدولة الوسطى ونفذه فى بعض التماثيل التى عرفت اصطلاحاً باسم (تماثيل الكتلة) والتى تجسد الشخص قاعداً القرفصاء وذراعاه تطوقان الركبتين وقد لفه رداء واحد فبدا متخذاً هيئة مكعب لا يبرز منه سوى الرأس وغطائها .

READ  الكتابه فى العصر الفرعونى

ومن أمثلة هذا الأسلوب الجديد فى النحت تمثال “سننموت” مهندس الملكة “حاتشپسوت” وهو يضم بين ذراعيه تلميذته وربيبته الأميرة الصغيرة “نفور رع” .
وظهرت هيئة جديدة اخرى فى التماثيل تصور رجلاً جاثياً ممسكاً أمامه بلوحة تذكارية ، او ناووس ، او مذبح ، او وجه الهى .
وقد برهن النحات المصرى فى هذه الفترة على قدرته على تمثيل الحيوانات المفترسة والألفية ومن الأدلة على ذلك نماذج السباع والسنانير التى عثُر عليها وكذلك كلاب الصيد والقردة .

وقد مثل الفنان كلاً من هذه الحيوانات بحركاته الخاصة به فى واقعية صادقة تقل مبالغة عن الواقعية آلتى مُثلت بها الحيوانات المفترسة فى الفن الاشوري فى بلاد النهرين على سبيل المقارنة .