النقش والرسم فى الحضاره الفرعونيه

  • بواسطة
النقش والرسم فى الحضاره الفرعونيه


اختلف المناظر المنقوشة والمرسومة على عمائر الدولة الحديثة طبقاً للغرض الذى أنشئ الأثر من اجله .
ففى المعابد حيث لا تستخدم الا النقش البارز الملون خُصصت الجدران الخارجية لتمثيل اعمال الملك الهامة . اما القاعات والأروقة الداخلية فكانت تخصص غالباً للمشاهد الدينية فقد .
وفى المقابر الملكية التى مُثلت فيها المناظر بالنقش او بالتصوير فان الموضوعات كانت دينية وجنائزية فقد . ومنها على سبيل المثال المناظر التى تمثل الكتب الدينية مثل : ( ما فى العالم الاخر ، والبوابات ، والكهوف ، وأناشيد الشمس ، وقصة هلاك البشرية ، إلخ ) .

وفى مقابر الأفراد نجد المناظر الجنائزية جنباً الى جنب مع المناظر الدنيوية . فمن المناظر الجنائزية نجد مشاهد الدفن والموكب الجنائزى والطقوس التى كانت تؤدى للمتوفى قبل وفاته مباشرة .
اما المناظر الدنيوية فكانت تصور كل ما كان يمارسه المتوفى فى حياته الاولى ويتمنى ان يجده فى دنياه الثانية فنجد مناظر تمثل الصناعات المختلفة والمراحل التى تمر بها الزراعة واُخرى تمثل صاحب المقبرة وعائلته .

وإذا ما تأملنا النقوش البارزة فى بداية الدولة الحديثة فإننا نجد ان القواعد الفنية التقليدية قد ظلت قائمة تجمع بين مثالية سرعان ما أصبحت أسلوباً عملياً خصوصاً فيما يتعلق بالأجسام وبين واقعية تحققت فى ملامح الوجوه .
ومع ذلك تستطيل الأجسام ويزداد الوجه وسامة ويتجه نحو المثالية ويزداد الميل نحو الزخرفة والإتقان . ويمثل عصر الدولة الحديثة أسمى درجات الكمال فى النقش البارز مقارنة بالعصور التى سبقته او التى تلته .

وكان من سمات فن النقش فى هذا العصر الاهتمام الواضح بإبراز مواطن الجمال فى الأنثى ذلك الجمال الطاغى الذى يتجلى فى رسوم تلك الأجسام القوية الأصيلة ذات الخطوط المتعرجة والصافية فى آن واحد .
ولم يختف طابع النبل والعظمة اللذين كانت تتسم بهما النقوش فى العصور السابقة وإنما اقترن بهما طابع الاغراء والفتنة اللذين لم يكن لهما وجود فيما مضى او انهما لم يظهرا نادراً .

والنقوش البارزة فى معبد “الدير البحرى” من أحسن الأمثلة لهذا النوع من النقوش فالجنود وحاملو القرابين يتحركون فى رشاقة وحرية أوفر من ذى قبل . وتجلت قدرة الفنان على الدقة فى رسم أعضاء الجسد بالنسبة للرجال والنساء على السواء كما وضحت ملكة الملاحظة لديه فى قدرته على تصوير ملكة بلاد “بونت” البدينة فى واقعية بعيدة عن أية مبالغة كاريكاتورية .
اما النقش الغائر الذى عرف منذ الدولة القديمة والذى ازدهر فى عصر الدولة الحديثة فقد كان من شأنه حفظ حواف الأشكال المنقوشة وخطوطها الخارجية من التلف . ولهذا فقد فضل الفنانون استخدامه منذ هذا العهد فى تزيين الحوائط الخارجية للمعابد . وقد استُخدم هذا الأسلوب بطريقة منظمة فى عهد “رعمسيس الثانى” .

READ  ابو الهول

ونهجت المدرسة الآتونية فى فن النقش نفس نهجها فى فن النحت وجاءت المناظر معبرة عن الفكر الدينى فى هذه المرحلة وهو ما يبدو بوضوح فى مقابر “تل العمارنة” و “الحاج قنديل” .
الا ان فن الاسرة الثامنة عشرة ظل مستمراً على نفس المستوى طوال الاسرة التاسعة عشرة وتشهد على ذلك نقوش معبد “سيتى الاول” فى “ابيدوس” ومقبرته فى “وادى الملوك” . ففى نقوش المعبد والمقبرة يتجلى جمال الأجسام تحت شفافية الغلائل ( كما جرت العادة منذ ايّام امنحتپ الثالث ) ثم تعبيرات الوجه الرصينة العذبة وهى من سمات فن “العمارنة” ولابد من هذه السمات كانت اخر شعاع انبثق من فنان افرغ كل جهده وطاقته .

ثم اصاب الفن شيئا من التراجع فى عهد “رعمسيس الثانى” الذى كان مغرماً بإقامة العديد من العمائر وكان بدوره فى حاجة الى عدد كبير من العمال حتى لم يعد من الميسور ان ينتقى منهم الاكفاء . ويبدو هذا واضحاً فى الأسلوب الفنى الذى نفذت به فى المناظر فى معبد “ابو سمبل” .
والسمة الواضحة للفن فى هذه الفترة هى الضخامة التى جاءت على حساب التفاصيل كما ان الاهتمام بتحسين الصورة قد تلاشى تماماً الامر الذى يمكن التثبيت منه فى مناظر معركة “قادش” الشهيرة .

وفى عهد “رعمسيس الثالث” استمرت الأشكال فى الاستطالة والتمدد حتى غدت نحيلة . ومع ان صورة “رعمسيس الثالث” وهو يصطاد على احد جدران معبد “هابو” تحقق هذا التطوير الى حد كبير فان لها رغم ذلك قيمة تتصل بالواقعية المؤثرة التى تتمثل فى مشهد احتضار الثيران التى اصابتها السهام .
اما عن الرسم فقد بلغ الذروة فى عهد الدلة الحديثة ومر بنفس المراحل التى مر بها النقش . فمن الأسرة الثامنة عشرة نجد أمثلة على ذلك فى مقبرة “رخميرع” وزير “تحتمس الثالث” حيث صفاء الخطوط التى تصور الأجسام والقدرة الفائقة على التعبير .

READ  النحت فى الحضاره الفرعونيه

ونجح الفنان فى هذا العصر فى تصوير الشخصيات الأجنبية بصفاتهم العنصرية وبطبائعهم فصور الزنوج بمرحهم وحركاتهم الصبيانية التى تدعو الى السخرية والآسيويين بأوضاعهم الراكعة المستعطفة .
وأيقن الفنان تصوير مناظر الصيد التقليدية كصيد الطيور والأسماك والحيوانات وهى المناظر المعتادة منذ بداية التاريخ المصرى .
وكثرت مشاهد الولائم والأعياد فى الدولة الحديثة حيث يبدو الرجال تخدمهم حسناوات والنساء تقوم على خدمتهن خادمات صغيرات السن عاريات ويذيد من أبهة تلك الحفلات الثياب الفاخرة والأردية الجميلة الشفافة ذات الثنيات والشعور المستعارة الجميلة .

وظل فن الرسم متقدماً طوال الاسرة التاسعة عشرة تشهد على ذلك رسوم عهد “سيتى الاول” و “رعمسيس الثانى” وان فقدت الخطوط فى عهد الأخير بعد مرونتها .
وفى عهد “رعمسيس الثالث” احتفظ الفنان بالخطوط العامة واختفت بعض التفاصيل وقل تنوع الألوان وضعف بريقها وحل بها التدهور . وفى أواخر عهد “الرعامسة” أخذ فن الرسم الاضمحلال شأنه فى ذلك شأن بقية الفنون الاخرى .

وقبل ان نختم حديثنا عن فنون النحت والنقش والرسم فى الدولة الحديثة نود ان نشير الى نقطة تتعلق بالفنانين الذين حملوا على اكتافهم عبء الحياة الفنية طوال عصور التاريخ المصرى القديم وأعنى عدم السماح للفنان بتسجيل اسمه على العمل الفنى الذى ربما يكون قد مضى الكثير من سنى عمره من اجل إنجازه .
فبالرغم من استطاعتنا تمييز فن عصر من الاخر وفن مدرسة من الاخرى الا اننا غير قادرين على ان نعرف اكثر من ذلك حيث لم يتعود للفنان المصرى على ان يذيل عمله باسمه باستثناء بضع حالات تعد على الاصابع حيث عُثر بمحض الصدفة أحياناً على اسم الفنان الذى صنعها .

ولا نزاع فى ان صورة رسام او مثال بين الصورة الثانوية المنقوشة على جدران احدى المقابر ثم كتابة الاسم تحت هذه الصورة يحمل فى طياته ما يجعلنا نفترض ان هذا الرسام او المثال هو الذى قام بالعمل فى الفترة وانه أراد تخليد اسمه فيها .
فمثلاً عُثر فى مقبرة رئيس قصر الملكة “تى” بتل العمارنة على صورة تمثل رئيس مثالى الملكة ( المدعو “يوتى” ) وهو فى مقر عمله منهمكاً فى إكمال تكوين تمثال لإحدى الأميرات . وقد وقف الى جانبه اثنان من تلاميذه يراقبان باهتمام ما يصنعه معلمهما على حين انصرف اثنان آخران الى العمل احدهما فى رأس تمثال والثانى فى كرسى . ومن الغريب ان اسم “يوتى” قد نقش مرتين حول صورته وفى احداهما ظهر الاسم مكتوباً بالطريقة العادية فى حين كُتب فى الثانية بشكل يشبه التوقيع (الإمضاء) .

READ  اسماء مصر فى العصور المختلفة

وهناك نوع اخر من توقيع الفنان ظهر فى عصر الدولة القديمة اذ عثُر فى مقبرة “بتاح – حتب” بسقارة على صورة رسمت فى الركن الأيسر بأسفل احد جدران المقبرة .
وإذا كان من الصعب علينا التعرف على الأسباب التى من اجلها ندر توقيع الفنان المصرى فانه من الصعب أيضاً معرفة القصد من تدوين الاسم فى الحالات القليلة المعروفة . فهل أراد الفنان ان يسجل اعتزاره بما فعلت يداه ان أراد ان يضمن سبيلاً ليحيا حياة ابدية .

وعلى أية حال فالفنان المصرى سواء أكان رساماً ام مثالاً فانه اعتبر من الناحية الاجتماعية كصانع ينتمى للطبقة الدنيا . وفى الوقت الذى نرى فيه الكتب المدرسية تتحدث عن الفنان وعن أعماله بكل معانى عدم التقدير نجد ان اعمال الفنان كانت تحظى باهتمام كبير كما يبدو من أدلة كثيرة انه استمتع فى حياته الدنيوية بمقام لا بأس به فرئيس كهنة “منف” فى الدولة القديمة كان يعد رئيساً اعلى للفنانين ويحمل لقب (المشرف العام على الفنانين) .

من كتاب ( تاريخ وحضارة مصر القديمة )
د : عبدالحليم نور الدين