احداث و وقائع

الهجرة الى الحبشة

وعندما رأى النبى ما اصاب أصحابه من الاضطهاد إذن لهم بالهجرة الى الحبشة لما كان يعهده فى ملكها من العدل والتسامح ويعلل بعض الباحثين سبب اتجاه المسلمين الى الحبشة وليس الى غيرها من بلاد العرب بأن القبائل العربية كان ترفض دعوة الاسلام مجاملة لقريش او تمسكاً بدينها الوثنى . كذلك كان لا يمكن ان تكون الهجرة الى مواطن أهل الكتاب من اليهود والنصارى فى يثرِب ونجران وغيرها ؛ لان كلا من الجاليتين اليهودية والمسيحية كانتا فى تنافس ونزاع على النفوذ الأدبي والسياسى فى بلاد العرب ، وهما لا يقبلان منافساً ثالثاً خصوصاً تند كان مِن العرب الذين يحتقرونهم ويقولون فيهم كما جاء فى القرآن :{ ليس علينا فى الأميين سبيل } ” سورة آلِ عمران : آية 75 ” . اما اليمين فلم يطمئن الرسول (صلى الله عليه وسلم) الى الهجرة اليها لانها كانت تحت النفوذ الفارسى وكذلك شأن الحيرة اما الشام فكانت تقع تحت سلطان الروم .
ومهما يكن من أمر فقد هاجر الى الحبشة احد عشر رجلاً وأربع نسوة وكان قد سبقهم عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة الرسول( صلى الله علية وسلم ) .

على ان بعض المهاجرين المسلمين الذين هاجروا الى بلاد الحبشة ما لبثوا ان عادوا الى مكة حين شاع بينهم نبأ دخول قريش فى الاسلام فلما قدموا اليها تبين لهم عدم صحة هذا النبأ واشتد عليهم قومهم فأذن لهم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فى الخروج الى ارض الحبشة مرة اخرى فلاقوا فى خروجهم مشقة عظيمة وقد تتابع المسلمون فى الهجرة من مكة فهاجر اليها ثانيةً من الرجال ثلاثة وثمانون ومن النساء ثماني عشرة امرأه فأكرمهم نجاشى الحبشة وأمنهم على حياتهم .

وكانت هذه الهجرة عاملاً من عوامل إذاعة خبر الاسلام بين كثير من قبائل العرب الذين علموا ان نفراً من قريش آمنوا بدين جديد هو الاسلام وتحملوا الاذى فى سبيله ثم هاجروا به فراراً من بطش اهلهم فى مكة وبذلك أصبحوا فى نظر بقية العرب مضطهدين يستحقون العطف والعون وقد اوجست قريش خيفة من هذه الهجرة وحسبت لها حسابا كبيراً وخافت من ازدياد قوة المسلمين هناك واحتمال إمداد النجاشى لهم بقوات من عنده فيغزرن مكة .

سارعت قريش بإرسال بعثة الى النجاشى بقيادة عمرو بن العاص وَعَبَد الله ابن ربيعة محملاً بالهدايا للنجاشى وحاشيته وقد طلب هذا الوفد من النجاشى ان يعيد من هاجر الى ارضه من المسلمين الى مكة لأنهم خالفوا دين آبائهم فلم يجبهم النجاشى الى طلبهم فحاولوا تحريضه ضدهم وقالوا له : إن المسلمين يقولون فى عيسى قولا عظيماً فعقد النجاشى مجلساً وجمع الطرفين للحوار أمامه وطلب من جعفر بن ابى طالب الرد على كلام وفد قريش فتلا عليه آيات من سورة مريم تذكر سيدنا عيسى وأمه ووضعهما وتكريمهما فى القران الكريم فبكى النجاشى وقال ( إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة .. ) ووجه حديثه لزعيمى وفد قريش قائلاً لهما : ( انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ) ورد إليهما الهدايا .

وهكذا لم تنجح وفادة قريش فبقى هؤلاء المهاجرين فى الحبشة حتى طلب النبى من النجاشى السماح لهم بالعودة الى وطنهم فأذن لهم بمغادرة بلاده فعاد كثير منهم وظل بعضهم مقيماً بالحبشة حتى السنة السابعة للهجرة .

كان فشل السفارة التى أوفدتها قريش الى الحبشة مكسباً للدعوة الاسلامية وزاد منه إسلام حمزة بن عبد المطلب عم الرسول وعمر بن الخطاب من سادات بنى عدى فقوى بهما المسلمون وصار بإمكانهم ان يقيموا صلواتهم عند الكعبة .

وإزاء هذا الفشل المتكرر فى سياسة قريش تجاه الدعوة الاسلامية لجأت الى سلاح اخر وهو سلاح الحصار الإقتصادى والاجتماعى فكتبت قريش عهداً ألا يتعاملوا مع بنى هاشم وبنى المطلب فلا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم ولا يبيعون لهم او يشترون منهم شيئاً وكتبوا بذلك صحيفة علقوها بداخل الكعبة توكيدا على أنفسهم . وإزاء هذه المقاطعة التامة انحاز بنو عبد المطلب وبنو هاشم الى شعب بنى طالب شرقى مكة وحصر الجميع هناك واستمرت تلك المقاطعة نحو ثلاث سنوات لقى بنو هاشم والمطلب فيها عناءً شديداً ونزلت بهم المجامعة ولم يجدوا ما يأكلونه إلا القليل الذى كان يهربه لهم بعض المتعاطفين معهم من اصهارهم وأخيراً أخذت الرأفة بعض سادة قريش كان على رأسهم هشام بن عمرو ، وزهير بن ابى أمية المخزومي ، والمطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف ، واتفقوا على نقض الصحيفة وفض المقاطعة وتوجهوا الى الكعبة لتمزيق الصحيفة فوجدوا الأرضة قد أكلتها عدا ( باسمك اللهم ) وتوجه هؤلاء النفر الى بنى هاشم وطلبوا منهم العودة الى ديارهم فعادوا اليها وبذلك فشلت قريش أيضا فى تحقيق أهدافها من هذا الحصار .

وبعد انتهاء المقاطعة ألمً بالرسول حدثان جليلان : أولهما وفاة عمه ابى طالب والثانى وفاة زوجه السيدة خديجة وكان ابو طالب لا يزال على دين آبائه إلا انه تكفل بحماية الرسول والدفاع عنه وقد عبر عن ذلك رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) بقوله : { ما نالت قريش منى شيئاً أكرهه حتى مات ابو طالب } اما السيدة خديجة فكانت الزوجة والام والصديقة التى كان يسكن اليها حين يشتد أهل قومه . وقد عبر عن ذلك رسول الله بقوله : { آمنت بى حين كفر بى الناس وصدقتني حين كذبنى الناس وأعطتني من مالها حين حرمنى الناس } . ” لهذا كله فقد دعا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) العام الذى فقد فيه هذين الحبيبين بعام الحزن ” .

بدأ رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) يفكر جيدا فى مفارقة ديار آبائه الى ديار اخرى يلتمس فيها النصرة والمعونة فخرج بصحبة مولاه زيد بن حارثة الى مدينة الطائف ثانى كبرى مدن الحجاز – والتى تبعد عن مكة ثمانين كيلو متراً – يلتمس النصرة من سادتها من بنى ثقيف ويمتنع بهم من قومه وجلس الى طائفة من ساداتها وأشرافها ودعاهم الى الاسلام ولكنهم لم يجيبوه الى ما أراد وأخذوا يتهكمون منه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم وصبيانهم فصاروا يرمونه بالحجارة وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى شج رأسه والتجأ رسول الله الى حائط بستان لابنى ربيعة فاحتمى به ورفع عليه الصلاة والسلام رأسه الى السماء ضارعاً الى الله بقوله : ( اللهم إليك اشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وانت ربى، الى من تكلنى الى بعيد يتهجمنى او الى عدو ملكته امرى ؟ ان لم يكن بك على غضب فلا ابالى ولكن عافيتك أوسع لى ، اعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والآخرة من ان تنزل بى غضبك او تحل على سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك ) . وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم الى مكة حزينا مقهوراً – غير انه كان على تصميمه وعزمه فى الدعوة الى دين الله – ولم يتمكن من دخول بلده مكة إلا بعد ان أجاره مطعم بن عدى زعيم بنى نوفل من قريش فدخلها فى حمايته وحماية ابنائه .

أراد الله تعالى ان يخفف عن رسول الله ويزيد فى تكريمه وتثبيته فأسرى به الى المسجد الأقصى وعرج به الى السموات العُلى الى سدرة المنتهى حيث حظى بالحظرة الإلهية وفرضت عليه الصلوات الخمس وقد ورد ذكر الإسراء فى قوله تعالى : ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا الذى باركنا حوله لنريه من آيَاتِنَا انه هو السميع البصير 1) { الإسراء : ايه 1 } .

ازداد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قوة وثباتاً فى سبيل الدعوة لدين الله وكان ينتهز فرص موسم الحج ويلتقى بالقبائل والوفود القادمة الى مكة ويدعوهم الى الاسلام ويطلب منهم ان يصدقوه ويمنعوه حتى ينشر رسالة ربه لكن هذه القبائل كانت تخشى قريشاً وبطشها وتخاف على مصالحها لو هى عادت قريشاً لذلك رفضوا دعوته ومنهم من رفضها فى لين وادب مثل كندة وكلب ومنهم من رفضها فى وقاحة مثل بنى حنيفة ومنهم من كان يشترط على النبى ان يكون لهم الامر بعد النصر مثل بنى عامر بن صعصعة .

وعندما أراد الله لرسالة نبيه ان تنتصر ولراية دينه ان تعلو سخر له قلوباً وأفئدة أراد الله لها الصلاح والفلاح وقد وجد الرسول ضالته فى قبيلتى الأوس والخزرج اليثربيين وكانت هاتان القبيلتان تسكنان يثرِب وتسمعان من يهود تلك المدينة ان نبياً سيبعث ويتوعدونهم به اذا حاربوهم فكانت هناك فكرة عن دين جديد سوف يظهر ولما رأى القادمون من الخزرج علامات الصدق بادية على محمد قال بعضهم لبعض ” والله هذا هو الذى توعدكم يهود به ، فلا يسبقوكم اليه ” ثم انصرفوا الى بلدهم .

وفى موسم الحج التالى ليوم بعاث ( 11 من البعثة ) خرج النبى (صلى الله عليه وسلم ) يعرض نفسه على قبائل العرب كعادته فلقيه عند العقبة بمنى ستة نَفَر من الخزرج فدعاهم الى الاسلام فآمنوا به وقبل ان ينصرفوا تواعدوا مع رسول الله ان يلتقوا به فى مكة العام المقبل ثم عادوا الى يثرِب يدون قومهم الى الاسلام .

وكان لاسلام هذه الجماعة السريع دوافع فلقد كان يهود يثرِب يعيرون العرب بوثنيتهم ويهددونهم بقرب ظهور نبى قد أطل زمانه يتبعونه فيقتلونهم معه قتل عاد وإرم . كما كان الخزرج حديثى عهد بهزيمة يوم بعاث فخشى الخزرج ان يسبقهم الأوس اليه او ان يسبقهم اليهود اليه فيتحقق بذلك تهديدهم لهم .

فلما كان العام المقبل وفد الى مكة اثنا عشر رجلاً منهم : تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فبايعوا الرسول عند العقبة بمنى عليه الإسلام وتعرف تلك البيعة ببيعة العقبة الاولى كما تعرف أيضاً ببيعة النساء لان الرسول بايع الرسول بايع النساء حين أسلمن عند فتح مكة على نفس شروطها وهى ( ألا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا اولادهم ولا يأتون ببهتان يفترينه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصون فى معروف ) . وبعث معهم النبى ” صلى الله عليه وسلم “مصعب بن عُمير ليقرأ القرآن ويدعوهم الى عبادة الله ولم ينته هذا العام حتى أصبحت كل أسرة فى المدينة تضم بعضاً ممن دخل فى الاسلام على يد مصعب .

وفى العام التالى خرج من يثرِب ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأوس والخزرج الذين أسلموا حديثاً قاصدين مكة وكان بصحبتهم مصعب بن عُمير وقد اجتمع الرسول ” صلى الله عليه وسلم ” بهؤلاء الوافدين من يثرِب حيث بايعوه بيعة العقبة الثانية وقد حضر هذه البيعة مع رسول الله ” صلى الله عليه وسلم ” عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه الا انه أحب ان يحضر امر ابن أخيه ويستوثق له . وفى العقبة الثانية استوثق الطوفان كل لنفسه اما الرسول فقد طلب منهم ان يبايعوه على ان يمنعوه مما يمنعوه منه نساءهم وابنائهم . وأما أهل يثرِب فقد اخذوا عهداً على النبى بأن يكون منهم وان يكونوا منه وان يحارب من حاربوا ويسالم من يسالموا وتسمى بيعة العقبة الثانية ببيعة العقبة الكبرى او بيعة الحرب ولما تمت البيعة طلب منهم الرسول ان يخرجوا له من بينهم اثنى عشر نقيبا ليكونوا كفلاء عليهم فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وبذلك نرى ان هجرة الرسول الى يثرِب قد تقررت فى بيعة العقبة الكبرى بعد ان تعهد النبى ” صلى الله عليه وسلم ” لأهل يثرِب ان يبقى بمدينتهم بعد ان يظهره الله على اعدائه .

من كتاب : الدولة العربية الإسلامية
د : هويدا عبد المنعم ادريس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.