توت عنخ آمون ( نب خبرورع )

بدأ توت عنخ آمون حكمه فى ” تل العمارنة ” وكان قد تزوج من احدى بنات ” اخناتون ” وهى الأميرة ” عنخ س ان پا آتون .
ولسنا نعرف بالتحديد نسب ” توت عنخ آمون ” وان كنّا نعلم من خلال نص عثر عليه فى ” الاشمونين ” انه وصف ب ( ابن الملك ) ويظل الأب مجهولا لنا حتى الان . وكذلك الحال بالنسبة للأم التى لم تكن بالتأكيد ” نفرتيتى ” وان كان البعض يرى ان الملكة ” كيا ” هى التى يظن انها الأم .
كان هذا الملك عندما تولى العرش طفلاً صغيراً لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره ومات وهو فى سن العشرين بعد حكم دام حوالى تسع سنوات .

وفى فترة حكمه أخذت حالة البلاد فى التحسن وخاصة عندما انتقل الى عاصمة البلاد القديمة ” طيبة ” حيث غير اسمه من ( توت عنخ آتون ) الى : ( توت عنخ آمون ) .
عمل ( توت عنخ آمون ) على اعادة بناء المعابد لرب الدولة آنذاك ” آمون ” ليس فى ” طيبة ” فحسب بل وفى كافة ارجاء البلاد .
وعلى الصعيد الخارجي كانت مصر تأمل فى ان يتسلم زمام الأمور فيها ملك قوى يعيد للإمبراطورية المصرية هيبتها ولكن ملكنا كان طفلاً صغيراً ضعيف البنية هذا بالاضافة الى قوة نفوذ كهنة ” آمون ” الذين بدأوا فى استعادة ما كان لهم من سلطان قبل عهد ” اخناتون ” ساعدهم على ذلك ما احرزوه من نصر على ديانة ” آتون ” .

ومنذ ذلك الوقت أخذ الكهنة يشكلون قوة جديدة ازدادت على مر الزمن الى ان أصبحت فى فترة معينة صاحبة اليد العليا فى البلاد .
وبنظرة على حدود الامبراطورية نجد ان ممتلكات مصر فى الجنوب ظلت كما هى تقريباً . اما بالنسبة لآسيا فلم يكن هناك من تغيير فى الموقف سوى تلك الحملة التى بعث بها ملك مصر وكان على رأسها قائد الجيش ” حور محب ” .

مات ” توت عنخ آمون ” ولم يتجاوز العشرين من عمره كما ذكرنا من قبل ودفن فى قبر صغير فى ” وادى الملوك ” وهو القبر الذى عثر فيه على مجموعة من الاثار الرائعة المعروضة الان فى بعض صالات المتحف المصرى .
لقد اصبح هذا الملك علماً من اعلام الحضارة المصرية ليس لانه كان ملكاً محارباً ساهم فى توسيع ارجاء الامبراطورية كأسلافه او لانه كان ملكاً بناءً أقام العديد من المعابد والمنشآترولكن لان القدر أراد لمقبرته ان تختفى عن أعين اللصوص فتظل محتفظة بكنوزها التى تفتخر بها الحضارة الانسانية .
وهناك آراء حديثة ترى فى عهد ” توت عنخ آمون ” زمناً مواتياً لحدث خروج ” بنى اسرائيل ” من مصر .

وبعد موت ” توت عنخ آمون ” المفاجئ قامت أرملته بمحاولة لعلها الاولى من نوعها فى التاريخ المصرى فقد أرسلت رسولاً الى أقوى ملوك اسيا فى ذلك الوقت الى ملك ” خيتا ” تطلب منه ان يرسل احد ابنائه ليصبح زوجاً لها وبالتالي ملكاً على مصر وأخبرته انه ليس لها ولد يجلس على عرش البلاد وأنها لا ترغب فى الزواج من احد رعاياها .
ولم يأبه ملك ” خيتا ” بهذا الطلب وظن ان فى الامر خدعة فأرسل رسولاً من عنده ليتأكد من مدى صدق الملكة . وتأكد الرسول من صدق الملكة التى حملته خطاباً اخر تعاتب فيه ملك ” خيتا ” على عدم ثقته فيها ولم ينجح هذا المخطط لان هذا الامير قتل فى الطريق قبل ان يصل الى الحدود المصرية .

اكتشاف مقبرة الملك ” توت عنخ آمون ”

لقد كان اكتشاف مقبرة ” توت عنخ آمون ” من الأحداث الاثرية الهامة فى القرن الماضي ففى الرابع من نوفمبر عام 1922 م أزيحت الأتربة عن الدرجة الاولى من الدرجات الست عشرة التى تؤدى لمقبرة هذا الملك فى جبانة ” طيبة ” ( وادى الملوك ) والتى حملت فيما بعد الرقم (62) وظهرت بذلك للعالم اجمع اهم وأشهر مقبرة من مقابر ملوك مصر القديمة وأصبح الملك ” توت عنخ آمون ” من اشهر الملوك .
اما مقبرته الصغيرة غير المنقوشة فقد غدت هى المقبرة الأسطورة التى نسجت من حولها القصص والحكايات وباتت المادة الخصبة للأفلام والروايات وخاصة ما يتعلق فيها بلعنة الفراعنة وغير ذلك من الخرافات .

READ  خوفو ( خنوم ، خوفوى )

وباكتشاف هذه المقبرة تم إغلاق ملف مقابر الملوك فى منطقة ” وادى الملوك ” لتصبح المقبرة اخر مقبرة يتم اكتشافها فى الموقع الى حين حتى عادت الاكتشافات ثانية مع أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادى والعشرين ليتم اكتشاف المقبرة ومومياواتها .

وقصة اكتشاف المقبرة قصة شيقة تستحق ان تروى ففيها اصرار وعزيمة لتحقيق هذا الأمل ورغم ذلك فان هذا الاكتشاف قد تم فى اخر الامر بمحض الصدفة . فمكتشف المقبرة ” هوارد كارتر ” ( 1874-1939م) هو باحث اى الاثار ورسام إنجليزي شهير حضر الى مصر ( سنة 1899م ) وأصبح مفتشاً لآثار مصر العليا واستطاع ان يقنع ” نيودور ديفز ” بالحفر فى ” وادى الملوك ” وهى المنطقة التى كان متأكداً من انها تحتوى العديد من الاثار والمقابر فتم خلال اربع سنوات اكتشاف مقابر كل من ” تحتمس الرابع ” و ” حاتشپسوت ” .

وفى سنة 1906م عثر ” ديفز ” على إناء من الفخار يحمل اسم ” توت عنخ آمون ” . اما فى سنة 1907 فقد عثر على غطاء صندوق وعليه صورة كل من ” توت عنخ آمون ” وزوجته والكاهن ” آى ” . وأصبح بادياً فى الأفق وجود مقبرة الملك ” توت عنخ آمون ” الذى تذكره قوائم الملوك . وأصبح هدف ” كارتر ” هو العثور عَلى هذه المقبرة وان كان واثقاً انها قد تعرضت للسرقة كغيرها من المقابر خاصة بعد العثور على بعض أثاثها الجنائزي مبعثراً فى ” وادى الملوك ” .

وفى هذا التوقيت حضر الى مصر اللورد ” كارنرفون ” ( 1866-1923م ) وهو لورد إنجليزي ثرى كان مهتماً بتربية الخيول وشراء السيارات ويعشق الصيد والسفر ولكنه أصيب فى حادث سيارة ونصحه الأطباء بقضاء شهور الشتاء فى مصر للعلاج فى رمال ” أسوان ” الجافة .

وحضر ” كارنرفون ” الى مصر عام 1903م وارتبط بها وأصبح عاشقاً لآثارها . وعندما تعرف على ” كارتر ” عرض عليه تمويل الحفائر وكان ” كارتر ” فى ذلك الوقت معرضاً لإيقاف اعمال الحفر لانها طالت ولم تؤد الى نتيجة تذكر . وفعلاً بدأ ” كارتر” الحفر فى “وادى الملوك ” ( من 1912 الى 1922 ) اى لمدة عشر سنوات بتمويل من اللورد ” كارنرفون ” الذى كانت شورطه واضحة وتتخلص فى اعلان اسمه مع الاكتشاف اذا تم وعدم دخول المقبرة الا فى وجوده فى حالة اكتشافها .
وأثناء هذه الفترة ركز ” كارتر ” فى حفائره على جميع مناطق ” وادى الملوك ” ولكنه استطاع فى النهاية تحديد منطقة البحث فى المثلث الذى تقع زواياه الثلاث عند مقابر كل من ” رعمسيس الثانى ” “ومرنپتاح ” ” ورعمسيس السادس ” .

وقد تطلبت هذه الحفائر الكثير من الأموال التى وصلت الى مليون فرنك سويسرى دون طائل . وعندما أوشك ” كارنرفون ” ان يفقد حماسه فى العثور على المقبرة حدثت المعجزة . ففى اليوم الرابع من نوفمبر 1922م قام شاب من الذين يحملون الماء للعمال بمحاولة لتقليدهم فيما يقومون به بأن ابتعد عّم المثلث الذى يحفرون فيه وقام بالحفر ليتم العثور على أولى درجات سلم المقبرة وعندها تم إخطار ” كارتر ” التى تولى الحفر فى المنطقة الجديدة وأستمر العمل لمدة يومين للوصول عبر ست عشرة درجة الى الباب الاول وهو عبارة عن جدار مغلق تعلوه أختام تمثل الاله ” أنوبيس ” وهو يعلو أعداء مصر التقليديين بجانب اسم الملك ” توت عنخ آمون ” وهذا الختم هو الختم الخاص بشرطة الاسرة التاسعة عشرة .

READ  ابن جرير الطبرى

وهنا أيقن ” كارتر ” ان هذه المقبرة تعرضت لمحاولة سرقة وان الشرطة استطاعت الحفاظ على المقبرة وإغلاقها مرة اخرى الى جائت الرمال المتخلفة عن حفر مقبرة ” رعمسيس السادس ” لتغطى موقع المقبرة تماماً وتحافظ عليها من السرقة حتى جائت معاول ” كارتر ” فى عام 1922م .
وعندما وصل ” كارتر ” الى الباب الاول قام بتصويره ثم هدمه فوجد أمامه ممراً طويلاً وعندها أيقن انه امام مقبرة ” توت عنخ آمون ” . ثم قام بتشييد باب خشبى مكان الجدار الاول وعين عليه حراسة دائمة .

ولأن الجو كان فى مصر وقتها شديد الحرارة فإن ” كارنرفون ” لم يكن قد حضر الى مصر بعد فبعث اليه ” كارتر ” ببرقية يخبره فيها بالاكتشاف الكبير ويطلب منه الحضور على وجه السرعة لافتتاح المقبرة .
واستطاع ” كارنرفون ” الوصول مع ابنته الليدى ” ايفيلين ” الى الاسكندرية ( يوم 20 نوفمبر ) حيث استقبلهم ” كارتر ” واصطحبهم الى الأقصر . وفى الرابع والعشرين من نفس الشهر تم فتح المقبرة من جديد حيث تطلب الامر يومين لإعادة تنظيف درجات السلم وفتح الباب الخشبي وكان ذلك فى حضور وكالات الأنباء العالمية وكافة مراسلى الصحف العربية والأجنبية وكان الاكتشاف الرسمى يوم 29 نوفمبر عام 1922م .

ويختلف تخطيط المقبرة عن بقية المقابر فهى مقبرة صغيرة خالية من الممرات التى تزيد فى عمق المقبرة مما جعل علماء الاثار ينسبونها الى الملك ” آى ” ولكنها استخدمت كمقبرة لتوت عنخ آمون بسبب موته المفاجئ اما مقبرة “توت عنخ آمون ” الأصلية والتى أصبحت مقبرة الكاهن ” آى ” فيما بعد .
اما بالنسبة للنقوش فالمقبرة خالية منها تماماً بينما نجد غرفة واحدة وهى الغرفة الجنائزية تحتوى على بعض مناظر مصورة يغلب عليها الفن الآتونى المميز لفترة العمارنة وذلك بالنسبة لنسب الجسم وطريقة تمثيل الملوك والمعبودات .

وبالعودة لاكتشاف المقبرة فإننا نجد ان الباب الاول الذى كانت تعلوه أختام الشرطة واسم الملك ” توت عنخ آمون ” ثم تم هدمه نجده يؤدى الى ممر منحدر بطول ثمانية أمتار يؤدى بدوره الى جدار اخر او باب ثان تعلوه أختام الشرطة كذلك .
وعندما قام ” كارتر ” بتصوير باب الغرفة وقام بفتح فتحة صغيرة فيه وممر منها عصا الحديد فوجد انها تتحرك فى الفراغ فعرف ان ذلك الباب يخفى وراءه الغرفة الاولى من غرف المقبرة والتى تتصل بغرفة اخرى من خلال باب ثالث تعلوه الاختام كذلك ويوجد فى الجهة الغربية .

اما فى الجه الشمالية فقد لاحظ ” كارتر ” وجود تمثالين من الخشب المطلى باللون الأسود بالحجم الطبيعى امال جدار رابع وعندما قام بفتح فتحة صغيرة فيه اهتز ضوء الشمعة التى كان يمسكها فى يده وعندما سأله ” كارنرفون ” عما يراه اجاب بصوت مبهور إجابته الشهرة : ( انا ارى أشياء رائعة جبالاً من الذهب ) .
وكانت هذه هى الغرفة الجنائزية التى لم يتم الدخول اليها الا يوم 17 نوفمبر 1923م . ومنها تم الوصول الى اخر غرف المقبرة وهى غرفة الكنز التى كانت متصلة بالغرفة الجنائزية من خلال فتحة وليس باب مغلق حيث انها تحتوى على أوانى الاحشاء التى لا يجب ان تنفصل عن مومياء المتوفى .

READ  الامام مالك

ولقد لفت أنظار مكتشفى المقبرة ان غرفتين من غرف المقبرة كانتا فى حالة يرثى لها من الفوضى مما يعنى انها كانت هدفاً للصوص الذين دخلوها مرتين احداهما لسرقة الذهب والحلى والجواهر التى كانت موجودة بها وثانيهما للعطور والزيوت العطرية . اما الغرفتان الأخريان فلم يصل إليهما اللصوص لحسن الحظ وهما الغرفة الجنائزية وبها المومياء والغرفة التى يطلق عليها ( غرفة الكنز ) .

اما عن عمليات اخراج ما تحتويه المقبرة من اثاث جنائزي وفكه وإعادة تركيبه خارجها واستخراج ما تحتويه غرف المقبرة من اثار وتنظيف التماثيل والصناديق وتعبئتها لنقلها الى المتحف المصرى فقد استغرقت حوالى عشر سنوات وقام بهذه العملية ” هوارد كارتر ” بمساعدة فريق من متحف ” المتروپوليتان ” فى نيويورك .

اما محتويات المقبرة فكانت رائعة ومبهرة لمكتشفيها فالحجرة الاولى ضمت العديد من الاثار الرائعة : الاسرة الجنائزية والعربات الحربية الخاصة بالمناسبات والصناديق التى أفرغت من محتوياتها وأصبحت ملقاه على الارض أحياناً بدون غطاء وعلب بيضاء تحتوى على انواع من اللحوم وأقواس وأوانٍ وتمثال ( اوشابتى ) واحد وباقة من الورد المجفف ومجموعة من الكراسى مختلفة الأشكال وتمثال صغير لتوت عنخ آمون وتمثالان بالحجم الطبيعى يطلق عليها ( تماثيل الكا او : الحرس ) وهما يقفان امام الغرفة الجنائزية .

اما الغرفة الإضافية فاحتوت على العصى والدروع والأسلحة والاوانى والمراكب والاسرة والصناديق وأوانى من البوص والالعاب ونوع من الكراسى مطلى باللون الأبيض وصندوق ملئ بادوات الرياضة و263 اوشابتى ومصابيح .
وكان يغلب على هاتين الغرفتين الفوضى العارمة فلا شئ فى مكانه حيث تتضح بصمات اللصوص الذين دخلوا مرتين الى المقبرة .

اما غرفة الدفن فقد ضمت مومياء الملك التى ترقد فى تابوتها داخل المقبرة الى يومنا هذا فى حالة سيئة حيث ان تحنيطها كان سريعاً كما انها لم ترمم من قبل الكهنة كما فعلوا لبقية الملوك .
وتعلو المومياء اثنتا عشرة طبقة وهى بالترتيب : اللفائف الكتانية ، واللفائف الجلدية ، والقناع الذهبي ( ووزنه 11 كجم من الذهب ) وتابوت من الذهب الخاص ( 110 كجم ) وتابوت من الخشب المطعم بالأحجار نصف الكريمة ، وعجينة الزجاج الملون وتابوت من الجرانيت والكوارتز ، وأربع مقاصير خشبية مطلية بالذهب ، وهى بأحجام اصغر فاكبر ، والناموسية .

وهذه الطبقات ترمز لساعات الليل الاثنتا عشرة التى سيمر بها المتوفى فى رحلة البعث للحياة من جديد باعتبار ان الموت ما هو الى سبات . وبين هذه الصناديق الضخمة وضعت المراوح وأوانى الالبستر التى تحوى العطور وبعض الأسلحة مثل الأقواس والسهام .

وترتبط الغرفة الجنائزية بالغرفة الاخيرة ( وهى غرفة الكنز ) بمدخل دون باب مغلق حيث ان الاتصال بين الغرفتين يجب ان يكون بلا حواجز . ويوجد بهذه الغرفة صندوق اوانى الاحشاء الخشبية وبه الصندوق المصنوع من الالبستر والذى يحتوى بدوره على التوابيت الأربعة الصغيرة التى احتوت بدورها على الاحشاء الى جانب مجموعة من نماذج المراكب الجنائزية الرمزية وتمثال الاله ” أنوبيس ” فى وضع حراسة للمقبرة ولاوانى الاحشاء وصناديق الاحشاء وصناديق الاوشابتى التى تحتوى على 176 تمثال اوشابتى وصناديق الادوات الموسيقية الى جانب الصناديق التى تحتوى على خمسة وثلاثين تمثالاً للملك ” توت عنخ آمون ” وتماثيل للألهه .

من كتاب ( تاريخ وحضارة مصر القديمة )
د : عبدالحليم نور الدين