ثوره الجياع عهد الفراعنه

ثورة الجياع فى عهد الفراعنة

أشرنا من قبل الى سوء الحالة فى مصر فى نهاية الأسرة السادسة نتيجة لطول عهد الملك ” پپى الثانى ” وامتداد العمر به مما جعل الأمور تسير من سيئ الى أسوأ .
واشرنا كذلك الى محاولات كبار رجال الدولة لتجريد الملوك من سلطاتهم وكيف انهم نجحوا فى ذلك الى حد كبير . وفى ظل هذا الوضع عانى الشعب الكثير ولم يكن هناك بد من ان يثور وينتقم لنفسه ممن تسببوا فى تعاسته وشقائه .

وقد وصلتنا اخبار هذه الثورة عن طريق برديتين تنسب أولاهما الى حكيم يدعى ” إيبو ور ” ( والمحفوظة بمتحف ” ليدن ” بهولندا ) والثانية تنسب الى حكيم اخر يدعى ” نفرتى ” ( والمحفوظة بمتحف ليننجراد بروسيا ) .
اما عن بردية ” إيبو ور ” فإنها تصور حالة الفوضى التى سادت البلاد وذلك بأسلوب بليغ على لسان ذلك الحكيم الفيلسوف .

اما البردية الثانية فقد كُتبت فى عصر تال لعصر الثورة الاجتماعية وكان الهدف منها الدعاية السياسية للملك ” امنمحات الاول ” اول ملوك الاسرة الثانية عشرة . وقد ارجع كاتبها الأحداث الى عهد الملك ” سنفرو ” الذى كان قد طلب من الكاهن والحكيم ” نفرتى ” ان يتنبأ له ببعض الأحداث المستقبلية فحدثه عن حاله من الذعر والفوضى ستسود البلاد ثم بشره بان هذه الحالة لن تنتهي الا على يد ملك يدعى ” أمينى ” ( امنمحات الاول ) .

وسنقدم لاحقاً الترجمة الكاملة لهذا النص البديع عن الحديث عن الملك ” امنمحات الاول ” .
ونكتفى هنا بعرض شذرات من بردوية ” إيبو ور ” والتى تعد من اهم ابداعات الأدب المصرى القديم . ولعل الفقرة التالية من البردية تصور شيئاً من الحالة التى وصلت اليها البلاد فى ذلك الوقت .

READ  كشف منابع نهر النيل

لم يعد الفلاح يستطيع ان يقوم بحرث أرضه دون ان يحمى
نفسه بمجموعة من قطاع الطرق وقد ارتدت سيدات مصر
العظيمات ثياباً بالية وأهين الموظف وتوقف إبحار السفن
الى بيبلوس وبعثرت اشلاء الملوك وترك الناس اطفالهم
الذين طالما تمنوا ولادتهم وأصبح رجال الأمن فى مقدمة
النابهين ولم يعد الأخ يثق بأخيه .

هكذا ثار الشعب المصرى فحطم كل شئ وانعدم النظام وانقلبت الأمور رأساً على عقب . ولما حصل الشعب على حقوقه عاد الهدوء لارض مصر وبدأ كل فرد يزاول عمله ودارت العجلة من جديد ليكتب الشعب المصرى فصلاً جديداً من تاريخه المجيد .
وإذا كان الجانب السلبى لهذه الثورة يتمثل فيما اصاب البلاد من دمار واضح فإننا لا يمكن ان نتناسى الجانب الايجابى فى هذه الانتفاضة . فبنجاح الثورة فى تحقيق أهدافها ظهرت طبقة جديدة لا تعتمد على الحسب او النسب بقدر ما تعتمد على امكاناتها المادية المحدودة وعلى قدرتها العقلية .

ومن خلال هذه الثورة أيضا أمكن للمصرى ان يضع الخطوط العامة لتصوره للحاكم الذى يرعى مصالحه ويعبر عن آماله . وقد حدد ” إيبور ور ” مفهومه لهذا الحاكم بقوله : من يعمل للبناء .. ومن يستطيع ان يحيل اللهب برداً وسلاماً ومن ليس فى قلبه حقد .
وأخيراً لقد نما فى قلب وعقل المصرى حب الوطن والارتباط به والانتماء اليه مما جعله على امتداد العصور يبذل كل الجهد للدفاع عن تراب هذا الوطن من كل سوء .

من كتاب : تاريخ وحضارة مصر القديمة .
د: عبد الحليم نور الدين