حاتشپسوت

بعد وفاة “تحتمس الثانى” جاء من بعده ابنه “تحتمس الثالث” الذى كان لا يزال صغيراً فقامت بالوصاية عليه زوجة ابيه الملكة “حاتشپسوت” . ولكننا نجدها بعد عامين وقد لقبت نفسها بالالقاب الملكية وأبعدت “تحتمس الثالث” عن العرش . وعاونها على ذلك بعض كبار رجال الدولة ومنهم المدعو “حابو سنب” الذى كان يشغل وظيفة كبير كهنة “آمون” بالكرنك وكذلك رجل الادارة والمهندس الشهير “سننموت” الذى اشرف أيضاً على تربية ابنتها وصمم لها معبدها فى “الدير البحرى” والذى نرى على جدرانه وكذلك على منشآتها فى “الكرنك” الكثير مِن اعمال هذه الملكة . وقد حاولت “حاتشپسوت” ان توحى بأنها ابنة الاله “آمون رع” وانه هو الذى اختارها لتحكم البلاد وسجلت هذه القصة على احد جدران معبدها بالدير البحرى .

ومن بين المناظر الهامة فى هذا المعبد مناظر الرحلة البحرية الشهيرة التى ارسلتها الى بلاد “بونت” لجلب بعض منتجات هذه البلاد وخاصة البخور وبعض الاشجار لزراعتها فى حديقة معبدها . وهذه المناظر التى تصور بلاد “بونت” تعتبر مصدراً هاماً لدراسة هذه البلاد التى كانت معروفة للمصريين منذ ايّام الدولة القديمة ويغلب على الظن انها تقع فى منطقة بوغاز “باب المندب” وتشمل اليمن من ناحية الصومال وإرتريا من ناحية اخرى .

ومن اهم اعمال “حاتشپسوت” بالاضافة الى معبدها فى “الدير البحرى” المسلتان اللتان اقامتهما فى “الكرنك” ولا تزال احداهما باقية فى مكانها لتحكى بعضاً من تاريخ هذه الملكة . كما شيدت لنفسها هيكلاً فى “بنى حسن” بالمنيا وهو المعروف ب “اسطبل عنتر” وشيدت معبداً فى جزيرة “إلفنتين” فى أسوان وثلاثة مقاصير فى معبد “الأقصر” .
وقد كانت “حاتشپسوت” حاكمة قوية بحق فقد تمكنت من ان تحكم مصر باقتدار فنعمت البلاد فى عهدها بالامن والاستقرار . غير انه يؤخذ عليها تنحيتها لتحتمس الثالث الذى كان احق منها بعرش البلاد الا انها نجحت فى وضعه فى الظل طوال مدة حكمها .

READ  اخلاق معاويه بن ابى سفيان

ولسنا نعرف الكثير عن الفترة الاخيرة من حكم ” حاتشپسوت” والظاهر انه حدث فى عهدها بعض الاضطرابات التى لا نعرف ما اذا كانت اسبابها داخلية ام خارجية . وهذا الى جانب بعض القلاقل فى سوريا وفى الجنوب .
ولا نعرف أيضاً كيف انتهت حياة هذه الملكة وعما اذا كانت قد ماتت ميتة طبيعية ان انها قد قتلت على يد “تحتمس الثالث” او بإيعاز منه . ويبدو انها لم تمت ميتة طبيعية وربما كانت نهايتها محزنة حيث لم يُعثر على موميائها حتى الان بشكل مؤكد فى مقبرتها فى “وادى الملوك” .

غير ان الأبحاث جارية للتأكيد من شخصية صاحبة المومياء آلتى عُثر عليها فى المقبرة بوادى الملوك والخاصة بإحدى المرضعات حيث تم عرض المومياء ( التى ساد بأنها لإحدى الامرضعات ) على جهاز الأشعة المقطعية ( CT-scan ) والذى حقق بعض الحقائق التشريحية للمومياء ومها غياب احد الضروس بالفك العلوى وثبت بالقياس ان الضرس الموجود لصندوق أحشاء يحمل اسم “حاتشپسوت” يطابق الضرس المفقود بالمومياء مما دفع فريق العمل البحثى المصرى ليؤكد ان هذه المومياء تخص “حاتشپسوت” .
وقد دعم فريق البحث رأيه بإجراء تحاليل الحامض النووي ( DNA ) للمومياء ومقارنتها ببعض المومياوات الملكية من هذه الفترة لإثبات النسب وجاءت النتائج إيجابية بحسب رأى القائمين بالتجربة .

غير اننا قد لا ننكر احتمالية صحة هذه النتائج بناء على مقارنة الضرس ( الموجود بصندوق الأحشاء الخاص بالملكة ) بجذوره فى الفك العلوى للمومياء الا اننا لا نطمئن لنتائج تحليل الحامض النووي ( DNA ) فى مثل هذه التجارب العلمية على المومياوات القديمة التى مرت عليها آلاف السنين بعد ان جفت أنسجتها وتغيرت صفاتها العضوية بشكل عام .
ومن ثم فإننا ندعو للتريث ازاء إطلاق الأحكام بناء على مثل هذه التجارب التى يختلف العلماء حول دقة او صحة نتائجها فيما يتعلق بالمومياوات ومن ثم علينا التاكيد على هذه النتائج من طرائق اخرى لنطمئن الى صحة أحكامنا ونعرف تاريخنا الصحيح على أسس لا تعتريها شائبة من الشك .

READ  توت عنخ آمون ( نب خبرورع )

وعلى أية حال كان من نتائج دراسة المومياء المذكورة بالأشعة المقطعية والتى اجراها الدكتور “هانى عبد الرحمن” ان صاحبة المومياء كانت فى نهاية العقد الخامس من عمرها تقريباً وأنها كانت تعاني من عدد من الأمراض التى أتت على قواها الدنية وتسببت فى سقوط بعض الأضراس وخاصة مرض (السكر) .
كما تبين النتائج ان صاحبة المومياء كانت امرأة بدينة وهذا فى حد ذاته يثير التساؤل باستغراب فما الذى يعنيه إذن تصوير ملكة “بونت” شديدة البدانة فى هيئة ساخرة تثير الضحك وذلك ضمن احد المناظر فى معبد “حاتشپسوت” بالدير البحرى وكذا على احدى اللخاف أكان ذلك مداعبة من المهندس القائم على البناء “سننموت” ام تلك هى جرأة الفن ام سخرية الفنان وهل كان ذلك فى أخريات عهدها ام بعد وفاتها .

ومهما يكن من امر “حاتشپسوت” فإنها واحدة من قليلات من السيدات فى العالم القديم ممن وصلن الى قمة الادارة فى بلادهن . ولقد بذلت كل الجهد لتقنع الرجل فى عهدها بان يقبلها كامرأة تحكمه فادارت دفة البلاد باقتدار وحاولت دائماً ان تنسى الرجال بأنها امرأة فظهرت فى هيئة الرجل بل كانت تشير الى نفسها بضمير المذكر وتحمل نفس ألقاب الرجال . وسواء أقنعت “حاتشپسوت” الرجال فى مصر فى ذلك الوقت بحكمها ام لم تقنعهم فان ما فعلته كان اعظم بكثير مما فعله بعض الملوك من الرجال .

من كتاب ( تاريخ وحضارة مصر القديمة
د : عبد الحليم نور الدين