سفينة خوفو

خوفو ( خنوم ، خوفوى )

تولى بعد “سنفرو ” الملك” خوفو ” ابنه من زوجته ” حتب – حرس ” والذى يعد أشهر ملوك الدولة القديمة بل وأشهر ملوك مصر لارتباطه بإحدى عجائب الدنيا السبع الهرم الأكبر بالجيزة . ورغم شهرة” خوفو ” فإننا لا نعرف عن عهده الا القليل اذ لم يترك آثاراً تذكر بخلاف هرمه وتمثال صغير من العاج عثر عليه فى ” كوم السلطان ” بأبيدوس ويؤرخ للاسرة السادسة والعشرين .

ومن المهم ان نذكر ان ” خوفو ” تسلم زمام الحكم من ابيه والرخاء يعم البلاد نتيجة لازدهار التجارة واستتباب الأمن مما مهد له الطريق لإقامة مقبرة ضخمة لعبت الدور الاول فى تحقيقها خزينة الدولة العامرة ثم قدسية الملك التى أوجبت على رعيته بذل كل الجهد لاهتمام هذا البيت الخالد لجلالته . وقد اختار ” خوفو ” هضبة ” الجزيرة ” مكاناً لتشييد هرمه واستخدم الأحجار الرملية المحلية فى بناء جسم هذا الهرم وكساه من الخارج بنوع جيد من الحجر الجيرى من محاجر ” طره ” .

وقد شُيد الهرم على مساحة تبلغ حوالى 13 فداناً وكان ارتفاعه الاصلى 146 متراً الا انه تاثر بعوامل الزمن والتعرية ليصبح ارتفاعه فى الوقت الحالى حوالى 138 متراً ويقع مدخله الرئيسى فى الناحية الشمالية وتوجد أسفله فتحة تؤدى الى داخل الهرم ويبدو انها فتحت فى عهد الخليفة ” المأمون ” .

وقد استمر ما يقرب من الف عام يعملون فى بناء هذا الهرم طوال عشرين عاماً وذلك فى وقت الفيضان عندما تغطى المياه ارض مصر ويتوقف معظمهم عن العمل حتى بدء موسم الزراعة .
وقد ابهر الهرم العديد من الباحثين فتناولوه من جوانب عدة ونسجوا حوله القصص والأساطير وحاولوا تفسير مظاهره المعمارية وطريقة البناء وكيفية رفع كتل الأحجار التى وصل وزن بعضها حوالى ثمانية أطنان وكيفية الانارة والتهوية ثم كيفية اعاشة الآلاف من العمال والإشراف عليهم .

READ  هارون الرشيد ( 170-193هـ )

وقد غير مهنسو الهرم تصميمه الداخلي ثلاث مرات ويتضح ذلك من وجود ثلاث حجرات للدفن الاولى فى باطن الارض والثانية فى داخل البناء ( والمعروفة خطأ باسم حجرة الملكة ) والثالثة تعلو الثانية وهى حجرة شيدت من حجر الجرانيت وخصصت لدفن الملك ” خوفو ” وكان للهرم معبد للشعائر ومعبد فى الوادى وقد أشرنا الى ذلك من قبل عند الحديث عن هرم ” سنفور ” الجنوبي .
وارتبط الهرم الأكبر فى ذهن بعض الناس بالسخرة وتحدثوا عن حكم ” خوفو ” المطلق وعن تسخيره للعمال فى بناء مقبرة له بدلا من استخدام هذه الطاقة البشرية الهائلة وكل هذه الإمكانيات المادية فى مشروعات يعود نفعها على الشعب .

والواقع انه يجب الا نحكم على الماضي بمنطق الحاضر فرغم ان هذا الملك قد حكم حكماً مطلقاً ورغم انه حرم شعبه من تحقيق أمل كل فرد فيه بان يعد لنفسه تمثالا جنائزياً ورغم ان هذا الشعب انتقم منه ومن اثاره عندما واتته الفرصة لذلك مع نهاية الدولة القديمة الا انه يجب الا ننسى ان الملك كان فى نظر المصريين ممثلا للاله على الارض وانه كانت له بعض الهيمنة على العالم الاخر .

فليس من الصعب إذن ان نتخيل ان كل مصرى سوف يسعى للمساهمة فى إتمام البيت الخالد لملكة لعله يحصل على رضا وبركته . ويمكن ان نقارن ذلك بما يحدث فى عصرنا الحالى عندما تفكر مجموعة فى بناء مسجد او كنيسة فإننا نجد كل فرد يسعى للمساهمة فى إنجاز هذا العمل مادياً ومعنوياً كأن يضع بيده طوبة فى بناء هذا البيت او ذاك من بيوت الله او يقدم الدعم المادى .

ومن ناحية اخرى فان بناء الهرم له فائدة اقتصادية اذ انه يتيح فرص عمل لمزارعي مصر الذين لا عمل لهم طوال اشهر الفيضان .
وهذا بالاضافة الى انه لم ترد أية إشارة فى النصوص المصرية الى تسخير العمال او إساءة معاملتهم بل على العكس نسمع عن القرى السكنية التى كانت تقام لهم بالقرب من منطقة الهرم وعن شون الغلال التى كانت مخصصة لهم .

READ  الامام الشافعى

ويمكن ان نستشهد بأقوال بعض كبار رجال الدولة فى الاسرة الرابعة اذ قال احدهم : ” أرضيت كل عامل عمل فى مقبرتى ” وقال اخر : “لم اضرب إنساناً ولم اسخر أحداً فى العمل ” . هذه المعاملة الانسانية تتفق مع النزعة الدينية التى عرف بها المصرى القديم .
وقد سمح ” خوفو ” للأمراء وكبار الشخصيات ان يبنوا لأنفسهم مقابر على شكل مصاطب حول هرمه حيث خصص الجانب الشرقى لاهرامات ومصاطب الاسرة المالكة والجانب الغربى لمصاطب الأفراد .

سفينة خوفو

ومنذ عام 1954 واسم” خوفو ” يرتبط باثر اخر هام وهو سفينته التى عثر عليها فى الجهة الجنوبية من الهرم والتى تعرف خطأ باسم ( مركب الشمس ) حيث ربط مكتشفوها بينها وبين سفينتي الشمس المخصصتين لرحلتى النهار والليل واللتين يقوم بهما المعبود ” رع ” رب الشمس .

لقد تم العثور على سفينة ” خوفو ” مفككة فى حفرتها واستمر العمل فيها عدة سنوات الى ان نجح مرممو هيئة الاثار فى ترميمها وإعادتها لصورتها الطبيعية والتى اتضح منها ان طولها يبلغ حوالى 46 متراً . وتُعرِّض السفينة الان فى متحف أقيم لها خصيصاً فى نفس المكان الذى عُثر عليها فيه جنوب الهرم الأكبر . ولا تزال هناك سفينة اخرى فى باطن الارض فى الناحية الجنوبية أيضاً . كما عُثر فى الناحية الشرقية على حفرتين خاليتين من سفنهما .

اما عن الأغراض التى استخدمت فيها السفن فيبدو ان واحدة منها استخدمت فى نقل جسد الملك من قصره على الضفة الشرقية للنيل الى منطقة الهرم على الضفة الغربية منه واستخدمت الثانية فى حفل تتويج الملك الذى كانت بعض مراسيمه تجرى على ضفة النيل واستخدمت بقية السفن فى رحلات الى بعض الأماكن المقدسة فى شمال مصر وجنوبها .

READ  جنكيز خان

وخلاصة القول ان هذه السفن استخدمت فى أغراض جنائزية ودنيوية وأنها لا صلة لها بمراكب الشمس نظراً لاختلافهما فى الشكل ولعدم العثور على الرموز المعروفة لمركب الشمس من بين الأشياء التى عثر عليها فى سفينة ” خوفو ” .

من كتاب : تاريخ وحضارة مصر القديمة .
د: عبد الحليم نور الدين