رمسيس التاني

رمسيس الثانى ( وسر ماعت رع ، سوتب ان رع )

اعظم ملوك مصر القديمة ومن اعظم ملوك العالم القديم . فرض اسمه على اسماع الدنيا قديماً وحديثاً وحقق ما لم يحققه ملك من قبل عسكرياً ومعمارياً ونال من الشهرة ما جعل اسمه يتردد على كل لسان ما تردد ذكر الحضارة المصرية القديمة .
وعندما استقبلت مومياؤه عندما وصلت الى باريس استقبال الملوك وأطلق اسمه على اهم شوارع وميادين القاهرة وما ام تخرج بعض اثاره خارج مصر حتى يصبح حديث الناس فى كل مكان .

وهو واحد من قلائل ممن حكموا فترات زمنية طويلة ( 67 عاماً ) وهو صاحب اكبر عدد من الأبناء ( حوالى 52 ولداً ، و32 بنتاً ) وهو زوج الملكة الشهيرة ” نفرتارى ” وهو صاحب أضخم تمثال نحتته يد البشر فى اى زمان ومكان والذى سقط بفعل زلزال وما زال فى مكانه فى معبد ” الرمسيوم ” ( وزنه حوالى 1000 طن ) . وصاحب أضخم معبد منحوت فى الصخر ( معبد ابو سمبل ) واكبر عدد من المعابد فى بلاد النوبة وأضخم صالة أعمدة فى مصر بمعابد الكرنك .
ويكاد يكون الملك المصرى الوحيد الذى ترك لنفسه أثراً فى كل مكان على ارض مصر .

وقد خاض واحدة من اشهر المعارك فى تاريخ العالم القديم ( معركة قادش ) وهو صاحب اشهر معاهدة سلام تلك التى عقدها مع الملك الحيثي ” خاتوسيلس ” والمسجلة على جدران معبد الكرنك .
ولقد ارتبط اسمه بحدث خروج ” بنى اسرائيل ” “وموسى ” ( عليه السلام ) من مصر وليس هناك ما يؤكد حتى الان صلته بهذا الحدث . ثم هو صاحب تمثال ميدان ” رمسيس ” الشهير ذلك التمثال الذى اثار الكثير من الجدل حول نقله من الميدان من عدمه الى ان انتهى به المطاف اخيراً فى موقع المتحف الكبير بميدان ” الرماية ” بالهرم ليكون اول اثر يلج المكان قبل انشاء المتحف .

وقد تعلم ” رعمسيس الثانى ” ( كولى العهد ) الكثير من صفات ابيه ونهج نهجه فى التعامل مع القضايا الداخلية والخارجية وأدرك مسئوليته فى تحقيق الأمن والاستقرار للبلاد وفى نفس الوقت فى تأكيد سيطرة مصر على كل أطراف الامبراطورية .
وتعبيراً عن وفائه لأبيه أخذ يستكمل منشآته فى “الكرنك ” و” ابيدوس ” وغيرها كما استمر على سياسة استثمار المناجم والمحاجر .

READ  جنكيز خان

وبعد ان تحقق له ما أراد فى هذا الميدان اتجه نحو الشرق نحو مملكة ” خيتا ” التى ما توقفت عن تحريض حكام الولايات التابعة لمصر ليؤكد يقظة الملك المصرى فذهب على رأس حملة لتأكيد الوجود المصرى .
كان ذلك فى العام الرابع من حكمه غير انه اضطر للعودة مرة اخرى فى العام الخامس من حكمه ليقود معركته الشهيرة مع ” الحثيين ” فى ” قادش ” .
وكان الملك الحيثى ” موتلى ” قد استمال الى جانبه بعض حكام الولايات المناوئة لمصر والطامحة فى الخروج على سلطان الملك المصرى .

ولهذا أعد جيشاً قوياً جمعه من كل هذه الولايات ومن الجنود المرتزقة من جزر بحر ” ايجه ” وتقدم الملك الحيثى الى ” قادش ” التى تعتبر بمثابة. بوابة سوريا الشمالية . وعلى الجانب الاخر أعد الملك ” رعمسيس ” العدة لملاقاة جيش الحثيين ومعه اربع فرق تحمل اسماء ( آمون ، وبتاح ، ورع ، وست ) . سار ” رعمسيس ” على الطريق الحربى التقليدى واتجه شمالاً نحو الشاطئ السورى وظل يتوغل الى ان وصل وادى نهر ” العاصى ” .
وتذكر النصوص ان بعض الجنود من الجيش المصرى نجحوا فى القبض على جاسوسين من بدو ” الشاسو ” كان ” موتلى ” قد كلفهما بالتجسس على الجيش المصرى وأثناء تاديبهما للإدلاء بمعلومات عن الجيش ” الحيثى ” ادليا بمعلومات مضللة عن حقيقة موقع وتحصينات وعدد جيش ” الحثيين ” .

والظاهر ان ” رعمسيس ” قد خدع بما ذكره الجاسوسان واتجه الى حيث حددا موقع جيش ” الحثيين ” وكانت معه فرقة ” آمون ” فقط واتجه جيش ” رعمسيس ” الى الموقع الذى حدده الجاسوسان فى الوقت الذى كانت جيوش ” الحثيين ” تتحصن فى موقع اخر وقاموا بمناورة ونجحوا فى الانقضاض على فرقة ” رع ” التى كانت على مقربة من فرقة ” آمون ” واصيبت فرقة ” رع ” بالفزع واضطرت للهروب .
واخذ ” رعمسيس ” يجمع شتات جنوده ويطلب مدداً من الفرق الاخرى ( كما نعلم من نصوص هذه المعركة التى سجلت على جدران معابد الأقصر، والكرنك، والرمسيوم، وأبو سمبل ،وغيرها ) . وتذكر هذه النصوص – التى تعرف باسم “قصيدة بنتاؤر” – ان “رعمسيس” قد صمد فى القتال الى ان استجمعت الفرق المصاحبة له قواها وعادت اليها الشجاعة لتنطلق من جديد وتلتحم مع العدو .

READ  ابو الفرج الأصفهاني

وبدأت قوات الأعداء تصل الى ارض المعركة التى كانت سجالاً بين الجيشين بين نصر هنا وهزيمة هناك . وقد ذكر “رعمسيس” فى سجلات المعركة ان ملك “الحثيين” قد طلب منه العفو حتى لا يفنى ما تبقى من رعاياه وانه قد قبل بعد نصيحة مستشاريه ان يتوقف عن القتال وان يلتزم كل طرف بحدود ما قبل القتال .
والواقع انه بالرغم من ان كلا الطرفين قد ادعى النصر على الطرف الاخر الا ان دراسة النصوص المصرية والنصوص الحثيية فى إطار دراسة منهجية وموضوعية قد أوضحت ان أحداً من الطرفين لم يحرز نصراً حاسماً وان حدود البلدين لم يصبهما اى تغيير وان التعادل يعد النتيجة العادلة للطرفين .

وبعد معركة “قادش” بعامين ثارت بعض مدن فلسطين مما اضطر “رعمسيس الثانى” الى التوجه حيث مصدر الفتن ونجح فى إخمادها واستعادة سلطة مصر فى فلسطين .
وفى العام الثامن خرج “رعمسيس” على رأس حملة لتأديب “الحثيين” مرة اخرى فى “قادش” وكانت نتائج هذه الحملة اكثر حسماً من نتائج حملة العام الخامس .
وبعد وفاة الملك الحيثى “موتلى” تولى “خاتوسيلى” عرش بلاد “خيتا” وارتأى عقد معاهدة سلام مع الملك “رعمسيس الثانى” ليتفرغ لبعض المشاكل الداخلية والخارجية . وقام الملكان بتوقيع المعاهدة فى العام الحادى والعشرين من حكم الملك “رعمسيس الثانى” اى حوالى عام 1280 ق.م .

وقد كتبت المعاهدة بالخط المسمارى على لوح من الفضة كما كتبت بالخط الهيروغليفي أيضاً حيث سجلت على جدران بعض المعابد المصرية مثل معبد الكرنك .
وقد أراد الملكان ( المصرى والحيثى ) تاكيد حسن النية فقام الملك الحيثى بتزويج احدى بناته للملك “رعمسيس الثانى” وهو الحدث الذى سُجل على جدران المعبد الكبير فى “ابو سمبل” .
وقد دام حكم الملك “رعمسيس الثانى” 67 عاماً وكانت وكانت فترة حكمه من أكثر العهود قوة وازدهاراً فى مصر القديمة حيث حققت مصر انتصارات عسكرية هامة وأمنت حدودها .

كما شهدت العمارة والفنون ازدهاراً لم تشهده من قبل فقد أقام “رعمسيس الثانى” لنفسه آثاراً فى كل مكان على ارض مصر تقريباً .
وعلى الجانب الاخر تزوج الملك بالعديد من الزوجات وكانت لديه الكثير من المحظيات وأنجب من الأبناء 52 ابناً ومن البنات حوالى 32 بنتاً .
وقد عثر مؤخراً فى “وادى الملوك” – من قبل بعثة الجامعة الامريكية بالقاهرة – على مقبرة تعرف باسم ( وادى الملوك / رقم 5 ) والتى يبدو من تخطيطها ومن بعض الأدلة الاثرية واللغوية انها تخص أبناء “رعمسيس الثانى” .

READ  الامام الشافعى

وكان من بين ابنائه الذين نالوا شهرة بالغة الامير “خع ام واست” الذى اختاره والده ولياً للعهد ولكنه توفى اثناء فترة حكمه . وهو الذى اشتهر باهتمامه بترميم اثار الاجداد حيث نرى اسمه على الكثير من اثار مصر التى قام بترميمها كما اشتهر بعلمه الغزير فى الديانة المصرية القديمة .
وقد تولى العرش من بعد “رعمسيس” ابنه الملك “مرنپتاح” الذى كان قد اختير كولى للعهد فى العام الخامس والخمسين من حكم والده . والمعروف انه الابن الثالث عشر فى ترتيب أبناء “رعمسيس الثانى” .

وقبل ان أنهى حديثى عن هذا الملك أود ان أشير الى ما يردده البعض من ان هذا الملك العظيم كان يسلب اثار من سبقوه بكشط أسمائهم ووضع اسمه بدلاً منها .
والوقع ان هذا القول غير صحيح فالملك “رعمسيس الثانى” الذى ملأ الدنيا بأخباره وانتصاراته والذى ترك لنفسه أثراً فى كل مكان والذى ملك من الامكانات المادية والبشرية ما مكنه من تنفيذ خططه ومشاريعه لا يمكن لشخص بمثل تاريخه وإمكاناته وما تمتع به من اخلاق رجل الحرب والسلام والذى دانت له الدنيا – ان يفكر فى سلب اثار اجداده .

اننا لو انعمنا النظر فى اثار الآخرين التى نقش عليها اسم “رعمسيس الثانى” وإذا فهمنا النصوص الهيروغليفية المصاحبة لتأكدنا من ان هذا الملك كان مجدداً ومرمماً بل كان وفياً لمن سبقوه ومن ثم كان حريصاً على استكمال منشآتهم التى لم تكن قد انتهت فى حياتهم اضافة الى حرصه على ترميم ما كان قد تهدم منها . واظن انه من حق من أضاف او جدد أو رمم ان يسجل اسمه تخليداً لعمله وهذه هى حال المنشآت التى حملت اسم هذا الملك والتى شيدت فى عهود من سبقوه .

رمسيس الثانى ( وسر ماعت رع ، سوتب ان رع )من كتاب ( تاريخ وحضارة مصر القديمة )
د : عبدالحليم نور الدين