سلمان الفارسي رضي الله عنه

 يكنى أبا عبد الله من اصبهان من قرية يقال لها جي وقيل من رامهرمز سافر يطلب الدين مع قوم فغدروا به فباعوه من اليهود ثم أنه كوتب فاعانه النبي. صلى الله عليه وسلم في كتابته أسلم مقدم النبي. صلى الله عليه وسلم المدينة ومنعه الرق من شهود بدر واحد وأول غزاة غزاها مع النبي. صلى الله عليه وسلم الخندق وشهد ما بعدها وولاه عمر المدائن.

 عن عبد الله بن العباس قال حدثني سلمان الفارسي قال كنت رجلا فارسيا من أهل اصبهان من أهل قرية منها يقال لها جي وكان أبي دهقان قريته.

 وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه اياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة.

 قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما قال لي يا بني اني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وامرني فيها ببعض ما يريد فخرجت اريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت اصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا ادري ما أمر الناس لحبس أبي اياي في بيته.

 فلما مررت بهم وسمعت اصواتهم دخلت عليه انظر ما يصنعون قال فلما رأيتهم اعجبتني صلاتهم ورغبت في امرهم وقلت هذا والله خير من الذي نحن عليه.

 فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم اتها فقلت لهم اين اصل هذا الدين قالوا بالشام? 

  قال ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني اين كنت الم اكن عهدت اليك ما عهدت قال قلت يا ابة مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فاعجبني ما رأيت دينهم فوالله ما زالت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين ابائك خير منه قلت كلا والله أنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته.

 قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام تجارا من النصارى فأخبروني بهم قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى قال فأخبروني بقدوم تجار فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وارادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم قال فلما ارادوا الرجعة إلى بلادهم القيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من افضل أهل هذا الدين قالوا الاسقف في الكنيسة قال فجئته فقلت اني قد رغبت في هذا الدين واحببت ان أكون معك اخدمك في كنيستك واتعلم منك واصلي معك قال فادخل فدخلت معه.

 قال: فكان رجل سوء يامرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها شيئا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب قال وابغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع قال ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم ان هذا كان رجل سوء يامركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا قالوا وما علمك بذلك قلت أنا ادلكم على كنزه قالوا فدلنا عليه قال فاريتهم موضعه قال فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا قال فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدا قال فصلبوه ثم رجموه بالحجارة.

 ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا يصلي الخمس ارى أنه افضل منه وازهد في الدنيا ولا ارغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه قال فاحببته حبا لم أحبه من قبل فاقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة قلت له يا فلان اني كنت معك فاحببتك حبا لم احبه من قبلك وقد حضرتك الوفاة فالى من توصي بي وماتامرني قال أي بني والله ما اعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به.

 قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان ان فلانا أوصاني عند موته ان الحق بك وأخبرني انك على امره قال فقال لي اقم عندي قال فاقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث ان مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان ان فلانا أوصى بي اليك وامرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فالى من توصي بي وما تامرني قال أي بني والله ما اعلم رجل على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به.

 قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرته بما جرى وما امرني به صاحبي قال فاقم عندي فاقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فاقمت مع خير رجل فوالله ما لبث ان نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان اليك فالى من توصي بي وما تامرني? قال أي بني والله ما اعلم أحدا بقي على امرنا امرك ان تاتيه إلا رجلا بعمورية فانه على مثل ما نحن عليه فان احببت فائته فانه على مثل امرنا.

 قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال اقم عندي فاقمت عند رجل على هدي أصحابه وامرهم قال وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة قال ثم به أمر الله عز وجل فلما حضر قلت له يا فلان اني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان وأوصي بي فلان إلى فلان وأوصي بي فلان إلى فلان وأوصي بي فلان اليك فالى من توصي بي وما تامرني? قال أي بني والله ما اعلم اصبح على ما كنا عليه أحد من الناس امرك ان تاتيه ولكنه قد اظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت ان تلحق بتلك البلاد فافعل.

  قال ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله ان امكث ثم مر بي نفر من كلب تجارا فقلت لهم تحملوني إلى أرض العرب واعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فاعطيتهم اياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلمواني فباعوني من رجل من يهود فكنت عنده و رأيت النخل ورجوت ان يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي.فبينا أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا ان رأيتها فعرفها بصفة صاحبي فاقمت بها وبعث الله رسول الله. صلى الله عليه وسلم فاقام بمكة ما أقام لا اسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله اني لفي رأس عذق لسيدي اعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال فلان قاتل الله بني قيلة والله انهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم زعم أنه نبي.

 قال فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدي.

 قال ونزلت عن النخلة فجعلت اقول لابن عمه ماذا تقول قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة وقال ما لك ولهذا أقبل على علمك قال قلت لاشيء إنما اردت ان استثبته عما قال.

 وقد كان شيء عندي قد جمعته فلما امسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله. صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له أنه قد بلغني انك رجل صالح معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرايتكم احق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه كلوا وامسك يده هو فلم يأكل قال فقلت في نفسي هذه واحدة.

 ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله. صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.

 قال: ثم جئت رسول الله. صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد – قد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان – وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل ارى الخاتم الذي وصف لي صاحبي? فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول.

 فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول الله. صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه.

 ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله: بدر واحد قال: ثم قال لي رسول الله.صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله. صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم. فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده. حتى اجتمعت لي ثلثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي.

 قال: ففقرت لها واعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله. صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله. صلى الله عليه وسلم بيده. فو الذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية وأحدة. فاديت النخل فبقي علي المال فأتى رسول الله. صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال:  مافعل الفارسي المكاتب?  . قال: فدعيت له. قال:  فخذ هذه فأد بها ماعليك يأسلمان  . قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي? قال:  خذها فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك  . قال: فأخذتها فوزنت لهم منها – والذي نفس سلمان بيده – أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله. صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد  رواه الأمام أحمد  .

 وقد رويت بداية سلمان من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة وانه قال: كنت من أهل جي، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق فطلبت الدين – فذكر نحو ما ذكرناه وانه قدم على رسول الله. صلى الله عليه وسلم مكة – والذي ذكرناه من لقائه له بالمدينة هو الصحيح.

  وفي الصحيح عن سلمان أنه قال تدأولني بضعة عشر من رب إلى رب.

 ذكر نبذة عن فضائله:

 عن أنس قال: قال رسول الله.صلى الله عليه وسلم السباق أربعة، أنا سباق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة.

 وعن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله. صلى الله عليه وسلم خط الخندق وجعل لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويا فقال المهاجرون: سلمان منا وقالت الأنصار: لا بل سلمان منا. فقال رسول الله. صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت.

 وعن أبي حاتم عن العتبي قال: بعث إلي عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوب. ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون? فقال سلمان: لا نسمع. فقال عمر: لم يا أبا عبد الله?قال: إنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة. فقال: لاتعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى: يا عبد الله. فلم يجبه أحد فقال: يا عبد الله بن عمر. فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. فقال: نشدتك الله، الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك? قال: اللهم نعم قال سلمان: فقل الآن نسمع.

 ذكر غزارة علمه رضي الله عنه:

 عن أبي جحيفة قال:آخى رسول الله. صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء.فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة. فقال لها: وما شأنك? فقالت:إن اخاك أبا الدرداء ليست له حاجة في الدنيا. قال: فلما جاء أبا الدرداء قرب طعاما فقال. كل فإني صائم.قال: ما أنا بآكل حتى تاكل. قال: فأكل.

 فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم. فقال له سلمان: نم، فنام. فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن. فقاما فصليا فقال: إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه. فأتيا النبي. صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال صدق سلمان  انفرد باخراجه البخاري  .

 وعن محمد بن سيرين قال: دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له: هو نائم. فقال: ماله? فقالوا: أنه إذا كانت ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة. فقال: فأمرهم فصنعوا طعاما في يوم جمعة ثم أتاهم فقال: كل. قال: إني صائم. فلم يزل به حتى أكل. فأتيا النبي. صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  عويمر سلمان أعلم منك – وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء – عويمر، سلمان أعلم منك  ثلاث مرات  لاتخصن ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصن يوم الجمعة بصيام من بين الأيام  .

 وعن ثابت البناني أن، أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأة من بني ليث. فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه، وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة. فقالوا? أما سلمان فلا نزوجه ولكنا نزوجك.فتزوجها ثم خرج فقال له: أنه قد كان شيء وانا أستحيي أن اذكره لك. قال: وما ذاك? فأخبره الخبر، فقال سلمان: أنا أحق أن أستحيي منك أن أخطبها وقد قضاها الله لك رضي الله عنهما.

 ذكر نبذة من زهده:عن الحسن قال: كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف، وكان اميرا على زهاء ثلاثين الفا من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، فإذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه.

 وعن عمار يعني الدهني قال كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف وكارة من ثياب، فيتصدق بها ويعمل الخوص.

 وعن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيثما دار، ولم يكن له بيت. فقال له رجل: ألا نبني لك بيتا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد? فقال له سلمان: نعم. فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه? قال: أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجليك. فقال سلمان: نعم.

 وقال عبادة بن سيلم: كان لسلمان خباء من عباء وهو أمير الناس.

  وعن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت المرأة فلما بلغ البيت قال: ارجعوا أجركم عند الله ولم يدخلهم.فلما نظر إلى البيت والبيت منجد – قال: أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كندة? فلم يدخل حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب فلما دخل رأى متاعا كثيرا فقال: لمن هذه المتاع? قالوا: متاعك ومتاع امرأتك فقال: ما بهذا أوصاني خليلي رسول الله. صلى الله عليه وسلم أوصاني خليلي ان لا يكون متاعي من الدنيا إلا كزاد الراكب ورأى خدما فقال: لمن هذه الخدم? قالوا خدمك وخدم امرأتك فقال: ما بهذا أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني خليلي أن لا أمسك إلا ما أنكح، أو أنكح، فإن فعلت فبغين كان علي مثل أوزارهن من غير أن ينقص من أوزارهن شيء.ثم قال للنسوة اللاتي عند امرأته: هل أنتن مخليات بيني وبين امرأتي? قلن نعم. فخرجن، فذهب إلى الباب فأجافه وأرخى الستر ثم جاء فجلس عند امرأته فمسح ناصيتها ودعا بالبركة. فقال لها هل أنت مطيعتي في شيء آمرك به? قالت: جلست مجلس من يطيع. قال فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن اجتمع على طاعة الله. فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته.فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك? فأعرض عنهم. ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم أعادوا فأعرض عنهم. ثم قال: إنما جعل الله عز وجل الستور والخدر و الأبواب لتواري ما فيها، حسب كل امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت رسول الله. صلى الله عليه وسلم يقول:  المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافدان في الطريق  .وعن أبي قلابة أن رجلا دخل على سلمان وهو يعجن فقال: ماهذا? قال: بعثناالخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين. ثم قال: فلان يقرئك السلام. قال: متى قدمت? قال منذ كذا وكذا فقال: أما إنك لو لم تؤدها كانت أمانة لم تؤدها رواه أحمد.

 ذكر كسبه وعمله بيده:

 عن النعمان بن حميد قال: دخلت مع خالي على سلمان الفارسي بالمدائن وهو يعمل الخوص فسمعته يقول: أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما فيه وأنفق درهما على عيالي وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت.

 وعن الحسن قال: كان سلمان يأكل من سفيف يده.

 ذكر نبذة من ورعه:

 عن أبي ليلى الكندي قال: قال غلام سلمان لسلمان: كاتبني.قال: ألك شيء? قال: لا. قال: فمن أين ? قال: أسال الناس. قال: تريد أن تطعمني غسالة الناس.

 ذكر نبذة من تواضعه:

 عن ثابت قال: كان سلمان أميرا على المدائن فجاء رجل من أهل الشام ومعه حمل تبن وعلى سلمان أندرا وبرد وعباءة فقال سلمان: تعال احمل، وهو لايعرف سلمان. فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير. فقال: لم أعرفك. فقال له سلمان: لاحتى ابلغ منزلك. وفي رواية اخرى: إني قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك.

 وعن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحما ثم دعا المجذومين فأكلوا معه.

 وعن عمر بن أبي قرة الكندي قال: عرض أبي على سلمان أخته أن يزوجه فأبى، فتزوج مولاة يقال لها بقيرة.فأتاه أبو قرة فأخبر أنه في مبقلة له، فتوجه إليه فلقيه معه زنبيل فيه بقل قد أدخل عصاه في عروة الزنبيل وهو على عاتقه.

 وعن ميمون بن مهران، عن رجل من عبد القيس قال رأيت سلمان في سرية وهو أميرها على حمار عليه سرأويل وخدمتاه تذبذبان والجند يقولون: قد جاء الأمير. قال سلمان: إنما الخير والشر بعد اليوم.

 وعن أبي الأحوص قال: افتخرت قريش عند سلمان، فقال سلمان: لكني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة، ثم يؤدى بي إلى الميزان فإن ثقلت فانا كريم وإن خفت فانا لئيم.

  وعن أبي البختري قال:صحب سلمان رجل من بني عبس ليتعلم منه. فخرج معه فجعل لا يستطيع أن يفضله في عمل: إن عجن جاء سلمان فخبز وإن هيأ الرجل علفا للدواب ذهب سلمان فسقاها. حتى انتهوا إلى شط دجلة وهي تطفح فقال سلمان للعبسي: أنزل فاشرب. فنزل فشرب. فقال له سلمان: ازدد.فازداد. فقال له سلمان: كم تراك نقصت منها? فقال العبسي له: وما عسى أن أنقص منها فقال سلمان: كذلك العلم تأخذ منه ولا ينقص فعليك بالعلم بما ينفعك.

 قال:ثم عبر إلى نهر دن فإذا الاكداس عليه من الحنطة والشعير فقال سلمان: يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كان نراها ومحمد حي? قال فقلت بلى. قال: فو الذي لا إله غيره لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم قفيز من قمح. قال ثم سرنا حتى انتهينا إلى جلولاء قال فذكر ما فتح الله عليهم وما أصابوا فيها من الذهب والفضة فقال:يا أخا بني عبس أما ترى إلى الذي فتح خزائن هذه علينا كأن نراها ومحمد حي? قال: قلت بلى. قال: والذي لا إله غيره لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم دينار ولا درهم.

 ذكر ثناء الناس على سلمان واعترافاتهم بفضله:

 عن ابن عباس قال قدم سلمان من غيبة له فتلقاه عمر فقال أرضاك الله عبدا.

 قال فزوجني فسكت عنه فقال اترضاني لله عبدا ولا ترضاني لنفسك فلما اصبح أتاه قوم فقال حاجة قالوا نعم قال ما هي قالوا تضرب عن هذا الامر يعنون خطبته إلى عمر فقال أما والله ما حملني على هذا الامر ولا سلطانه ولكن قلت رجل صالح عسى الله عز وجل ان يخرج مني ومنه نسمة صالحة.

 وعن أبي الاسود الدؤلي قال كنا عند علي ذات يوم فقالوا يا امير المؤمنين حدثنا عن سلمان قال من لكم بمثل لقمان الحكيم ذلك امرؤ منا والينا أهل البيت اذرك العلم الأول والعلم الاخر وقرا الكتاب الأول والاخر وبحر لا ينزف وأوصى معاذ بن جبل رجلا ان يطلب العلم من اربعة سلمان أحدهم.

 ذكر نبذة من كلامه ومواعظة:

 عن حفص بن عمرو السعدي عن عمه قال قال سلمان لحذيفة يا اخا بني عبس العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه.

 وعن أبي سعيد الوهبي عن سلمان قال إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه فإذا اشتهى ما يضره منعه وقال لا تقربه فانك ان اتيته أهلكك فلا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد فضل به غيره من العيش فيمنعه الله عز وجل اياه ويحجره حتى يتوفاه فيدخله الجنة.

 وعن جرير قال قال سلمان يا جرير تواضع لله عز و جل فانه من تواضع لله عز وجل في الدنيا رفعه الله يوم القيامة يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة? قلت لا قال ظلم الناس بينهم في الدنيا قال ثم أخذ عويدا لا أكاد اراه بين اصبعيه قال يا جرير لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده قال قلت يا أبا عبد الله فاين النخل والشجر قال اصولها اللؤلؤ والذهب واعلاها الثمر.

 وعن أبي البختري عن سلمان قال مثل القلب والجسد مثل اعمى ومقعد قال المقعد اني ارى تمرة ولا استطيع ان اقوم إليها فاحملني فحمله فاكل واطعمه.

 وعن قتادة قال قال سلمان إذا اسات سيئة في سريرة فاحسن حسنة في سريرة وإذا اسات سيئة في علانية فاحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه.

 وعن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد ان الدرداء كتب إلى سلمان هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان ان الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الأنسان عمله وقد بلغني انك جعلت طبيبا فان كنت تبرىء فنعما لك وان كنت متطببا فاحذر ان تقتل أنسانا فتدخل النار فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين فادبر عنه نظر اليهما وقال متطبب والله ارجعا إلى اعيدا قصتكما.

 عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال ثلاث أعجبتني حتى اضحكتني مؤمل دنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه وضاحك ملء فيه لا يدري اساخط رب العالمين عليه أم راض عنه وثلاث احزنني حتى ابكينني: فراق محمد وحزبه وهول المطلع والوقوف بين يدي ربي عز وجل ولا ادري جنة أو إلى نار.

 وعن حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال ما من مسلم يكون بفيء من الأرض فيتوضا أو يتيمم ثم يؤذن ويقيم إلا أم جنودا من الملائكة لا يرى طرفهم أو قال طرفاهم.

  وعن ميمون بن مهران قال جاء رجل إلى سلمان فقال أوصني قال لا تكلم قال لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم قال فان تكلمت فتكلم بحق أواسكت قال زدني قال لا تغضب قال أنه ليغشاني ما لا املكه قال فان غضبت فامسك لسانك ويدك قال زدني قال لا تلابس الناس قال لا يستطيع غضبت فامسك لسانك ويدك قال زدني قال لا تلابس الناس قال لا يستطيع من عاش في الناس ان لا يلابسهم قال فان لابستهم فاصدق الحديث واد الامانة.

 وعن أبي عثمان عن سلمان قال ان العبد إذا كان يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء فدعا قالت الملائكة صوت معروف من ادمي ضعيف فيشفعون له وإذا كان لا يدعو الله في السراء وعن حارثة بن مضرب قال سمعت سلمان يقول اني لاعد العراق على الخادم خشية الظن ورواه زهيرعن أبي إسحاق قال اني لاعد عراق القدر مخافة الظن بخادمي.

 وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق فمر علينا سلمان الفارس وقد اشترى وسقا من طعام فقال له زيد يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله. صلى الله عليه وسلم قال ان النفس إذا احرزت قوتها اطمانت وتفرغت للعبادة ويئس منها الوسواس.

 وعن أبي عثمان عن سلمان قال لما افتتح المسلمون جوخى دخلوا يمشون فيها واكداس الطعام فيها امثال الجبال قال ورجل يمشي إلى جنب سلمان فقال يا أبا عبد الله إلا ترى ما اعطانا الله فقال سلمان وما يعجبك فما ترى إلى جنب كل حبة مما ترى حساب رواه الإمام أحمد.

 وعن سعيد بن وهب قال دخلت مع سلمان على صديق له من كندة نعوده فقال له سلمان ان الله عز وجل يبتلي عبده المؤمن بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لما مضى فيستعتب فيما بقي وان الله عز وجل يبتلي عبده الفاجر بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ثم اطلقوه فلا يدري فيم عقلوه ولا فيم اطلقوه حين اطلقوه? وعن محمد بن قيس عن سالم بن عطية الاسدي قال دخل سلمان على رجل يعوده وهو في النزاع فقال ايها الملك ارفق به قال يقول الرجل أنه يقول اني بكل مؤمن رفيق والسلام.

 ذكر وفاة سلمان رضي الله عنه

 عن حبيب بن الحسن وحميد بن مورق العجلي ان سلمان لما حضرته الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال عهد عهده الينا رسول الله. صلى الله عليه وسلم قال ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب قال فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا في بيته إلا اكافا ووطاء ومتاعا قوم نحوا من عشرين درهما.

 وعن عامر بن عبد الله عن سلمان أنه حين حضر الموت عرفنا به بعض الجزع فقالوا ما يجزعك يا أبا عبد وقد كان لك سابقة في الخير شهدت مع رسول الله. صلى الله عليه وسلم مغازي حسنة وفتوحا عظاما قال يحزنني ان حبيبنا محمدا. صلى الله عليه وسلم عهد الينا حين فارقنا فقال ليكف المؤمن كزاد الراكب فهذا الذي احزنني.

 قال فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا هكذا قال عامر والباقون من الرواة يذكرون الدراهم.

 عن أبي سفيان عن اشياخه قال ودخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده فبكى سلمان فقال له سعد ما بيكيك يا ابأعبد الله توفي رسول الله. صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض وترد عليه الحوض قال فقال سليمان أما اني ما ابكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن رسول الله. صلى الله عليه وسلم عهد الينا فقال لتكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب وحولي هذه الاسأود وإنما حوله اجانة أو جفنة أو مطهرة قال فقال له سعد يا أبا عبد الله اعهد الينا بعهد فنأخذ به بعدك فقال يا سعد اذكر الله عند همك إذا هممت وعند حكمك إذا حكمت وعند بذل إذا قسمت.

 وعن الشعبي قال أصاب سلمان صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امراته فلما حضرته الوفاة قال هاتي المسك فمرسها في ماء ثم قال انضحيها حولي فانه يأتيني زوار الان ليس بأنس ولا جان ففعلت فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى قبض وفي أخرى أنه قال يجدون الريح ولا يأكلون الطعام.

 وعن سعيد بن سوقة قال دخلنا على سلمان نعوده وهو مبطون فقال لامراته ما فعلت بالمسك الذي حئنا به من بلنجر قالت هو ذا قال القيه في الماء ثم اضربي بعضه ببعض ثم انضحي حول فراشي فانه الان يأتينا قوم ليس بأنس ولا جن ففعلت وخرجنا عنه ثم اتيناه فوجدناه قد قبض رضي الله عنه.

  عن الشعبي قال حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة قالت لما حضر سلمان الموت دعاني وهو في علية لها اربعة ابواب فقال افتحي هذه الابواب يا بقيرة فان لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الابواب يدخلون علي ثم دعا بمسك له ثم قال لها اديفيه في تور ففعلت ثم قال انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي فاطلعت فإذا قد أخذ روحه كانه نائم على فراشه أو نحو هذا.

 قال أهل العلم بالسير كان سلمان من المعمرين ادرك وصي عيسى ابن مريم عليه السلام وعاش مائتين وخمسين سنة ويقال أكثر وتوفي بالمدائن في خلافة عثمان وقيل مات سنة ثنتين وثلاثين.

 قال أبو بكر بن أبي دأوود: لسلمان ثلاث بنات بنت باصبهان وبنتان بمصر.

 وعن عبد الله بن سلام ان سلمان قال له يا أخي اينا مات قبل صاحبه فليترايا له قال عبد الله بن سلام أو يكون ذلك قال نعم ان نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت ونسمة الكافر في سجين فمات سلمان.  قال عبد الله فبينا أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي فاغفيت اغفاءة إذ جاء سلمان فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقلت السلام عليك ورحمة الله يا أبا عبد الله كيف وجدت منزلك قال خيرا وعليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل ردده ثلاث مرات رحمه الله