قصص الصحابه

عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه

 يكنى أبا العباس. ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.

 وتوفي النبي. صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان حبر الامة ويسمى البحر لغزارة علمه، وكان عمر وعثمان رضي الله عنهمايدعوانه فيشير عليهما مع أهل بدر، وكان يفتى في عهدهما إلى ان مات. وكان له من الولد: العباس، وعلي السجاد، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.

 عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله. صلى الله عليه وسلم كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا من الليل. قال: فقالت له ميمونة:وضع هذه لك يا رسول الله عبد الله بن عباس. فقال.صلى الله عليه وسلم  اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل  .

 وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله. صلى الله عليه وسلم وقال:  اللهم علمه الحكمة  .

 وعنه، عن ابن عباس قال: رأيت جبريل عليه السلام مرتين، ودعا لي رسول الله. صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين.

  وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: دعا رسول الله. صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس فقال:  اللهم بارك فيه وانشر منه  .

 وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر رضي الله عنه ياذن لأهل بدر وياذن لي معهم. فقال بعضهم: أتاذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو مثله? فقال: فانه ممن قد علمتم.

 فاذن لهم يوما وأذن لي معهم فسالهم عن هذه السورة:  إذا جاء نصر الله والفتح و رأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا  فقالوا: أمر الله عز وجل نبيه إذا فتح الله عليه ان يسستغفر وان يتوب إليه. فقال لي: ما تقول يا عباس? فقلت: ليس كذلك، ولكنه أخبر نبيه. صلى الله عليه وسلم بحضور اجله فقال:  إذا جاء نصر الله والفتح  فتح مكة  و رأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا  أي فعند ذلك علامة موتك  فسبح بحمد ربك واستغفره أنه كان توابا  سورة النصر الاية 1-3.

 فقال لهم كيف تلوموني عليه بعد ما ترونه? وعن الأوزاعي قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن عباس: والله انك لاصبح فتياننا وجها، واحسنهم عقلا، وأفقههم في كتاب الله عز وجل.

 وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان عمر يسألني مع أصحاب محمد، وكان يقول لي: لاتتكلم حتى يتكلموا، فإذا تكلمت قال: غلبتموني أن تأتوا بمثل ما جاء به هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه.

 قال ابن ادريس: وشؤون رأسه: الشيب الذي يكون في الرأس.

 وعن الحسن قال: كان ابن عباس يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية.

 وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم فتى الكهول، له لسان وقلب عقول.

 وعن المغيرة: قيل لابن عباس: أنى اصبت هذا العلم? قال: لسان سؤول، وقلب عقول.

 وعن مسروق قال: قال عبد الله: لو أن عباس أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. قال: وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.

 وعن عكرمة عن ابن عباس قال لما قبض رسول الله. صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله. صلى الله عليه وسلم فامهم اليوم كثير فقال واعجبا لك يا بن عباس اترى الناس يفتقرون اليك وفي الناس من أصحاب رسول الله. صلى الله عليه وسلم من فيهم قال فتركت ذلك واقبلت اسأل أصحاب رسول الله. صلى الله عليه وسلم عن الحديث فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فاتوسد التراب فيخرج فيراني فيقول يا بن عم رسول الله ما جاء بك إلا ارسلت إلي فآتيك فاقول لا أنا أحق أن آتيك فأسالك عن الحديث.

 فعاش ذلك الفتى الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فيقول: هذا الفتى كان اعقل مني.

 وعن أبي صالح قال: لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخرا، رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب. قال فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه فقال: ضع لي وضوءا. قال: فتوضأ وجلس، وقال: اخرج فقل لهم: من أراد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل.

 قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر.

 ثم قال: إخوانكم قال: فخرجوا. ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر.

 ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا. ثم قال اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل. قال فخرجت فقلت لهم. فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.

 ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.

 ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا ثم قال: أخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل.

 قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة. فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.

 قال ابو صالح: فلو أن قريشا كلها فخرت بذلك لكان لها فخرا، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس.

  وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلا أتاه يسأله عن السموات والأرض  كانتا رتقا ففتقناهما  . قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فسله، ثم تعال فأخبرني ما قال.

 فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: كانت السموات رتقا لا تمطر وكانت رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: إن ابن عباس قد أوتي علما، صدق، هكذا كانت.

 ثم قال ابن عمر: لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتي علما.

 وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر، من كثرة علمه.

 وعن شقيق قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتح سورة البقرة فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعته فارس والروم لأسلمت.

 وكان طاوس يقول: كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم كما بسق النخلة السحوق على الودي الصغار.

 وعن ابن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدا، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلدا من بلدان المسلمين فأفرح به ومالي )به( من سائمة.

 وعن ميمون بن مهران قال: سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخ مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرض الله واسعة.

 وعن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة.

 وعن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمنن سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته. قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب الذي صنعته، وضحكك، وأنت لا تدري ما الله صانع بك، أعظم من الذنب. وفرحك بالذنب إذا عملته أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب، إذا فانك، أعظم من الذنب، إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته.

 وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح.

 وعن أبي رجاء قال: كان هذا الموضع من ابن عباس مجرى الدموع كأنه الشراك البالي.

 وعن طاوس، كان يقول: ما رأيت أحدا أشد تعظيما لحرمات الله عز وجل من ابن عباس، والله لو أشاء – إذا ذكرته – أن أبكي لبكيت.

 وعن سماك أن ابن عباس سقط في عينيه الماء فذهب بصره، فأتاه هؤلاء الذين ينقبون العيون ويسيلون الماء، فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما، ولكنك تمكث خمسة أيام لا تصلي )يعني قائما(. قال: لا والله ولا ركعة واحدة، إني حدثت أنه من ترك صلاة واحدة متعمدا لقي الله )عز وجل( وهو عليه غضبان.

 وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرا أو جمعة أو ما شاء الله، أحب إلي من حجة بعد حجة، ولطبق بدانق أهديه إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله عز وجل.

 وعن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما ضرب الدينار والدرهم أخذه إبليس فوضعه على عينيه وقال: أنت ثمرة قلبي وقرة عيني، بك أطغي، وبك أكفر، وبك أدخل الناس النار، رضيت من ابن آدم بحب الدنيا أن يعبدني.

 وعن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: آخر شدة يلقاها المؤمن: الموت.

 وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: خذ الحكمة ممن سمعت؛ فإن الرجل ليتكلم بالحكمة وليس بحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رام.

 ?ذكر وفاة ابن عباس رضي الله عنه:

 توفي ابن عباس بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن احدى وسبعين سنة.

 وعن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف، فلما وضع ليصلي عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد، فلما سوي عليه سمعنا صوتا نسمع صوته ولا نرى سخصه: )يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي(.

  ولما بلغ جابر بن عبد الله وفاة ابن عباس صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: مات أعلم الناس وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق.

 وعن منذر قال: لما مات ابن عباس قال ابن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة.