فتح الأندلس

تمهيد : اطلق اليونان اسم هسبيريا Hasparia على شبه الجزيرة الايييرية الذى يشمل اليوم اسبانيا والبرتغال ومنها جاء اسم ايبريا Iberia ( وفى المصادر العربية ابارية ). ثم سماها الرومان هسبانيا Hispania ومنها أتى مصطلح اسبانيا Espana ( وفى المصادر العربية اشبانية ) .

تعرضت شبه الجزيرة الايبيرية منذ أوائل القرن الخامس الميلادي لغزوات من جانب بعض الشعوب الجرمانية ومنها الفندال Vandali او الفاندالوس الذين انحدروا نحو جنوب شبه الجزيرة واستقروا فى السهل الوقع جنوبي الوادى الكبير Guadalquvir بفعل ضغط القوط عليهم . كان الرومان يدعون هذا السهل Baetica ( باطقه عند العرب ) فلم استقر به الوندال او الفندال اعطوه اسمهم فصار يعرف بافاندلوسيا ثم اندالوسيا ومنها جاء مصطلح اندالوثيا Andalusia . وبهذا الاسم عرفه البربر المقيمين بالجانب الاخر من العدوة المغربية فلما وصل العرب المسلمون قيل لهم ان هذه الارض هى ” وندلس ” ولما كان حرف الواو هو اداة التعريف فى لهجة بربرطنجة ؛ فإن العرب سموا هذه الارض ” أندلس “او “الأندلس “. ثم عمموا الاسم ليطلق على كامل شبه جزيرة ايبيريا . وأضحى اسم الأندلس يطلق على كل الاراضى الخاضعة لسيطرة المسلمين فى شبه الجزيرة الايبيرية . وقد تقلصت السيطرة الاسلامية فى شبه الجزيرة الايبيرية حتى بات اسم الأندلس يرادف فقط – منذ القرن السابع الهجرى / الثالث عشر الميلادي – مملكة غرناطة فى أقصى جنوبي شبه الجزيرة وهو ما يمثل ثمن مساحتها . ويطلق مصطلح” اندالوثيا ” فى الاسبانية اليوم على مقاطعة صغيرة فى أقصى جنوب اسبانيا تشمل ثمانية محافظات صغيرة .

تبلغ مساحة شبه الجزيرة الايبيرية 516،000 الف كم وهى عبارة عن هضبة متوسطة ارتفاعها 600 م عند سطح البحر عدا سلاسل الجبال التى يزيد ارتفاعها عن ذلك .
يفصل شبه الجزيرة الايبيرية عن أوربا سلسلة جبال البرتات التى تسمى خطأ بالبرانس وهى جبال مرتفعة لا يمكن عبورها إلا من ممرين فى الشرق والغرب وبعض الممرات الاخرى التى تسمى بالأبواب ومن هنا أتى اسمها : ألبرت او البرتات ، وتعنى الباب او الأبواب .

يتكون معظم شبه الجزيرة من هضبة تدعى La meseta او المنظدة تتخللها بعض السلاسل الجبلية والأنهار التى يَصْب معظمها فى المحيط الاطلسى وتنبع من وسط شبه الجزيرة مثل المنيو ، الدويرو ، تاجه ، الوادى الكبير ، الإبره ، ووادى آنة ، وغيرها .
يعتبر مناخ شبه الجزيرة عموماً معتدل قارى بالداخل يسود الجفاف معظم انحائها رغم كثرة أنهارها التى يجف كثير منها فى فصل الصيف . لاتكثر الأمطار الا فى النصف الشمالي من شبه الجزيرة الذى يتميز بالغنى النباتى كما يتميز أيضاً بمناجم الحديد والفحم والمعادن الاخرى . وقد انعكس غنى النصف الشمالي من شبه الجزيرة على الصراع بين المسلمين والنصارى فى الأندلس ؛ فرغم ان المسلمين فرضوا سياستهم على قسم كبير من شبه الجزيرة فى كثير من الأحيان قياساً بالقسم الذى ساده النصارى من شبه الجزيرة الا ان القسم الذى ساده النصارى كان القسم الشمالي حيث الغنى والثروة الطبيعية ووفرة المياه أساساً وكان قسم المسلمين هو الأفقر رغم كبر مساحته

الأندلس قبل الفتح العربى

سيطر القوط الغربيون على شبه جزيرة أيبيريا مع نهايات القرن الخامس الميلادي بعد صراع مرير مع الفندال والالان والسيوف . اتخذ القوط من طليطلة عاصمة لهم وحكموا رعاياهم بالحديد والنار خاصة بعد ان اعتنقوا المسيحية على المذهب الاريوسى مذهب الطبيعتين فى حين كان الايبيريون يعتنقون المسيحية على المذهب الكاثوليكي او مذهب الطبيعة الواحدة مما زاد من حدة الخلاف بينهم وبين رعاياهم .

انقسم المجتمع الايبيرى تحت حكم القوط الى خمس طبقات هى : – النبلاء ، ورجال الدين ، والاحرار، والعبيد والأقنان ، واليهود . عاش القوط ومعظم النبلاء ورجال الدين بمعزل عن أهل البلاد حيث استأثروا بكل المزايا والاقطاعات والضياع الواسعة . وكان معظم الشعب يمثل طبقة رقيقة الحال من الزراع أشباه الأرقاء المحلقين بالضياع والارقاء والاقنان الذين كان لسياداتهم عليهم حق الموت والحياة . عانى الايبيريون تحت حكم القوط من الحرمان والبؤس والعسف والإرهاق ووقع عليهم عبء دفع المغارم والضرائب الفادحة والسخرة فى ضياع النبلاء والسادة ورجال الدين .

يمكن ان نلمح ثلاث مؤسسات حاكمة فى شبه الجزيرة الايبيرية قبل الفتح الإسلامى هى : مؤسسة الملكية ومؤسسة الكنيسة والؤسسة العسكرية . تميزت هذه المؤسسات الثلاث بالقوه فى البداية ؛ لكنها مالبثت ان اعتراها الضعف فالمؤسسة الملكية خرجت عن نظام انتخاب الملوك الى نظام الوراثة مما أدى الى نشوء الصراع على الحكم . وضعفت الكنيسة بسبب انصراف القساوسة ورجال الدين الى الدنيا وجمع الأموال بحق وبغير حق هذا الى تدخل الكنيسة ورجال الدين فى الصراع الدائر على العرش كما اتهم بعض رجالها بالانحراف الاخلاقى . اما المؤسسة العسكرية فلم تسلم هى الاخرى من الضعف والانهيار فقد فقدت روحها القوية ومال القادة الى الترف وهجر بعض الجيش ليلتحق بالكنيسة وشارك اخرون فى الصراع على الحكم وفتح الجيش امام الأقنان والعبيد حتى فاق عددهم عدد الأحرار فكان هؤلاء اول الفارين عند احتدام المعارك .

كان اضطهاد اليهود من العوامل التى ساعدت على ضعف دولة القوط فى أيبيريا قبل الفتح العربى الإسلامى فقد حاولت الكنيسة بكل وسيلة فرض النصرانية على اليهود فاعتنق كثير منهم النصرانية كرهاً وحاولوا الاتصال بيهود المغرب والتآمر ضد الدولة ولكن مؤامرتهم كشفت ، فاشتد اضطهادهم وانتزعت أملاكهم واسترقوا . وعلى ذلك عانى معظم رعايا القوط من العسف والظلم وباتوا بتحينون الفرصة للخلاص من حكم القوط .

READ  قصة أصحاب الرَّسِّ


كان يحكم شبه الجزيرة الايبيرية قبل الفتح العربى الإسلامى بحوالي عشرين سنة الملك وتيزا ( او غيطشة عند العرب ) الذى حاول ان يحد من سلطة الاشراف ورجال الدين لكن هؤلاء تآمروا عليه بزعامة رودريك Rodrigo ( رذ ريق عند العرب ) حاكم قرطبة وخلعوه عن العرش واغتصب رذريق الحكم فى حوالى سنة 711 م او قبلها

بقليل وقتل غيطشه وأساء السيرة واضطهد اليهود .
فكر أنصار غيطشه وعلى رأسهم ولديه إيفا وسيزبوت وعمهما اوباس اسقف طليطلة وإشبيلية فى الاستعانة بالمسلمين فى المغرب للخلاص من رذريق بمساعدة يوليان حاكم سبتة . وقد اختلف المؤرخين حول شخصية يوليان وذهب بعضهم الى إنكار وجوده أصلا ؛ لكن الأرجح انه كان شخصية حقيقية وانه ساعد العرب المسلمين فى فتح شبه الجزيرة لأسباب منها : انه كان قريبا للملك غيطشه ناقما على حكم رذريق . وتقدم الرواية العربية سببا لتعاون يوليان مع العرب المسلمين ضد رذريق مفاده ان يوليان عمل مع العرب بدافع الانتقام الشخصى من رذريق الذى اعتدى على ابنته فلورندا . وكانت فلورندا الجميلة قد أرسلها ابوها يوليان الى بلاط الملك رذريق فى طليطلة – وفقا للتقاليد – لتتربى تربية ملكية فاستهوى جمالها الرائع الملك رذريق وخلبه لبه فحاول التقرب منها فامتنعت عليه فاغتصبها .

ولما علم الكونت يوليان بذلك استقدم ابنته من بلاط رذريق وأقسم على الانتقام منه وخلعه عن العرش .
على ان معظم المؤرخين الإسبان ينكرون الرواية العربية ويعتبرونها خرافة او أسطورة نسجها خيال العرب الا ان الواقع التاريخي يبرر حدوثها فظروف المجتمع فى أيبيريا آنذاك والصراع على السلطة والانحلال الخلقى والاجتماعى يبعث على قبول الرواية العربية وان إنكارها من جانب المؤرخين الإسبان كان بدافع نفى تهمة الخيانة عن بعض الزعماء الإسبان الذين تعاونوا مع العرب ضد رذريق يعزز ذلك اتفاق بعض الروايات الاسبانية القريبة من عهد الفتح مع الرواية العربية فى سرد قصة فلورندا والاخذ بها .

فتح الأندلس :

لم يكن خصوم رذريق بما فيهم يوليان – فيما يبدو -يهدفون من وراء استعانتهم بالعرب المسلمين ان يسيطر العرب على شبه الجزيرة الايبيرية وان يحكموها بدلا من رذريق ولكن الأرجح انهم كانوا يرغبون فى خلع رذريق واستخلاص العرش لأنفسهم معتقدين ان العرب المسلمين سيكتفون بالغنائم والاسلاب وسيعودون الى المغرب بعد إنجاز المهمة . ويبدو ان موسى بن نصير كان يجارى يوليان فى هذا الاعتقاد وربما طمأنه بعدم سعى المسلمين للسيطرة على شبه الجزيرة الايبيرية

جرت مفاوضات بين موسى بن نصير والكونت يوليان حاكم سبتة وكان موسى بتحين الفرصة للاستيلاء على ثغر سبتة المنيع فلما عرض عليه الكونت تسليم سبتة وفتح الأندلس وإزاحة رذريق عن عرشه لبى موسى الدعوة فورا. ويبدوا ان موسى قد فكر فى فتح الأندلس بعد إتمام فتح المغرب ولابد انه علم بأحوالها السياسية المضطربة ووقف على غناها وثرائها ولم يكن لينتظر دعوة من يوليان لفتحها . كما انه كان يدرك مدى قرب المسافة بين المغرب والأندلس حيث لا يفصلهما الا مجاز ضيق عرف بالزقزاق هذا الى ان الطبيعة فى شبه الجزيرة الايبيرية لا تختلف كثيرا عن الطبيعة فى بلاد المغرب كما ان عدوتى المضيق خضعتا لسلطة سياسية واحدة فى اغلب فترات التاريخ .

اذا لم تكن دعوة يوليان واعوانه هى العامل الحاسم فى فتح الأندلس لكنها كانت بلاريب عاملا مساعدا فقد عرض يوليان تسليم سبتة للمسلمين وتقديم السفن لنقلهم عبر البحر الى الأندلس وإرشادهم الى مواطن الخلل فيها . ومن ثم كتب موسى بن نصير الى الخليفة الوليد بن عبد الملك ( 86 -96 هـ / 705- 715 م ) يستأذنه فى فتح الأندلس فكتب اليه الوليد بان يختبرها بالسرايا ولا يغرر بالمسلمين” . ويبدوا ان الخليفة الوليد بن عبد الملك كان متخوفا من مشروع فتح الأندلس على المسلمين . لكن موسى – كان فيما يبدو – قد فكر فى فتح الأندلس ودرس الفكرة جيدا واتخذ قرار الفتح بالفعل ولم يكن ينتظر سوى موافقة الخليفة وهذا يؤكد ما ذكرناه من ان موسى لم يكن لينتظر دعوة من يوليان لفتح الأندلس بل ان مشروع الفتح كان جاهزا ينتظر موافقة الخليفة وليس دعوة يوليان وربما جاءت دعوة يوليان لتسرع بتنفيذ مشروع الفتح . يؤكد ذلك ما كتبه موسى بن نصير الى الوليد حين رَآه متخوفا من فتح الأندلس وعبور البحر :” انه ليس ببحر وإنما هو خليج يصف ما خلفه للناظر “.

أرسل موسى بن نصير بناءً على نصيحة الخليفة الوليد بن عبد الملك – سرية استطلاعية للاستكشاف بقيادة طريف بن ملوك ( اومالك ) البربرى مكونة من أربعمئة راجل ومائة فارس فى رمضان سنة 91 هـ / يوليو سنة 710 م عبرت البحر من سبتة فى اربع سفن قدمها يوليان الى الطرف المقابل الذى سمى بجزيرة طريف على اسم قائد السرية . عاثت السرية فى نواحى الجزيرة الخضراء والتقى قائدها ببعض اتباع يوليان وأبناء غيطشه وأصابت بعض الغنائم كما تم الوقوف على اخبار شبه الجزيرة وأحوالها . ثم عادت السرية بعد نجاحها الى موسى فاستبشر بالنصر وشمر ساعد الجد واستعد للفتح خاصة بعد ان اثبتت السرية ضعف الدفاعات الأندلسية .

READ  سياسة مصر الخارجية فى عهد الفراعنة

اسند موسى بن نصير مهمة فتح الأندلس الى طارق بن زياد حاكم طنجة وكان بربريا من قبيلة نفزة يتميز بالشجاعة والخبرة والدربة فى الحروب . قاد طارق جيشا قوامه سبعة آلاف من البربر وقليل من العرب وعبر البحر من سبتة فى سفن قدمها يوليان فى أوائل شهر رجب سنة 92 هـ / ابريل سنة 711م . نزل طارق بمنطقة جبلية مقابلة لسبتة عرفت فيما بعد بجبل طارق ثم اخترق المنطقة المجاورة بمعاونة يوليان وإرشاده واستولى على الجزيرة الخضراء بعد ان هزم بعض القوات القوطية .

لما عرف رذريق ( اولذريق ) بنزول المسلمين الى الأندلس أسرع عائداً من الشمال حيث كان يحارب البشكنس الى قرطبة ليستعد لقتال المسلمين . حشد رذريق حوالى أربعين ألفا ( وفى بعض الروايات حوالى مائة الف ) لقتال المسلمين فلما وقف طارق على استعدادات رذريق أرسل الى موسى يستمده فأمده بخمسة آلاف من البربر فتكامل لطارق اثنا عشر الفاً وانضم اليه يوليان فى قوة صغيرة .

كان الجيش القوطى أضعاف جيش المسلمين وكان المسلمون يحاربون فى ظروف شاقة ولكنهم لم يتقهقروا والتحموا بعدوهم فى سهل الفرنتيرة Frontera عَلى ضفاف نهر وادى لكة او وادى بكة . وقد اختلف المؤرخون المحدثون فى تحديد مكان الوادى الذى أوردته الرواية العربية فذكر البعض انه نهر جواداليتى Guadalete الذى يَصْب فى خليج قادس على مقربة من مدينة شريش وان اللقاء حدث على ضفته الجنوبية شمالى مدينة شذونة . وذكر البعض الاخر فيما يرجع ان المعركة حدثت جنوبي بحيرة خنده Janda الصغيرة المتصلة بنهر بارباتى Barbate الصغير الذى يَصْب فى المحيط على مقربة من رأس “طرف الغاز ” Travalgar .

التقى الجيشان فى الْيَوْمَ الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 92 هـ / السابع عشر من يوليو سنة 711م وفرق النهر بين الجيشين لمدة ثلاثة أيام جرت خلالها مناوشات بسيطة بين الطرفين . بدا رذريق وسط جيشه الضخم فى موكب ملوكى يتشح بِالحَرير والذهب متوجاً بالجواهر واللآلئ فوق عرشه الذى تجره الخيول المطهمة لا يشك فى الظفر . لكن الجيش القوطى رغم ضخامته كان مختل النظام ينقصه الانسجام وتعوزه الوحدة يضم من الجند والقواد المتظاهرين بالاخلاص الناقمين فى الباطن على رذريق . لذا تمكن المسلمون رغم قلة عددهم من هزيمة جيش رذريق فى الْيَوْمَ السابع او الثامن من المعركة . وقد لعب يوليان، والأسقف ، اوباس ، وولدا غيطشه إيفا وسيزبوت دوراً مهما فى هزيمة رذريق وجيشه عن طريق الدعاية وبث الشقاق فى الجيش القوطى الذى تفرق شمله وفرت فلوله الى مدينة إستجه Ecija . اكتنف الغموض نهاية رذريق ما بين قائل انه فر وقائل انه قتل وقائل انه فر ثم قتل او غرق والارجح انه قتل فى ارض المعركة .

على انه يجب الإشارة الى خطبة طارق بن زياد – التى ألقاها على مسامع جنده قبل بداية المعركة واستهلها بقوله : أيها الناس : أين المفر ؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله الا الصدق والصبر واعلموا إنكم فى هذه الجزيرة أضيع من الأيتام فى مأدبة اللئام “. والخطبة طويلة الى حد ما ، حماسية ، فصيحة ، رائعة الأسلوب ، لكن المؤرخين المحدثين شكوا فى نسبتها الى طارق لانها لم ترد فى المصادر العربية المبكرة التى تحدثت عن فتح الأندلس بل وردت فى بعض المصادر المتأخرة . هذا الى ان طارق – رغم استعرابه يصعب ان يكون فصيحاً فى العربية الى هذه الدرجه . ويبدوا ان طارق بن زياد قد خطب فى جنده قبل بداية المعركة على عادة القواد فى ذلك الزمان لكن ليس بهذه الفصاحة ، وربما صاغ بين المتأخرين هذه الخطبة الفصيحة على لسان طارق ونسبها اليه .

وكما ارتاب المؤرخون المحدثون فى خطبة طارق ونسبتها اليه راودهم الشك أيضا فى مسألة حرق طارق للسفن التى عبر عليها الا الأندلس لان الواقعة أيضا لم تذكرها المصادر المتقدمة التى تحدثت عن فتح الأندلس وإنما انفرد بذكرها الادريسى فى كتابه ” نزهة المشتاق ” ونقلها عنه البعض من المؤرخين النصارى كما ان السفن كانت ملكا ليوليان فكيف لطارق ان يحرقها وهى لم تكن فى ملكه . وإذا استدل البعض على مسألة حرق السفن بما جاء فى خطبة طارق فان ذلك لا يعد دليلا على الحرق بقدر ما يعد تأكيداً على ان السفن ليست ملكاً للمسلمين وإنما ملكاً للكونت يوليان وأنها لم تكن تحت تصرف المسلمين فى جميع الأوقات .

تابع طارق توغله نحو الشمال فى إثر فلول القرط الهاربة من المعركة والتى تحصنت بمدينة استجه فهزمها بعد مقاومة عنيفة واستولى على المدينة . ومن مدينة استجه بعث طارق بحملات الى قرطبة وغرناطة وإلبيرة ومالقة ، وسار هو بنفسه الى طليطلة حاضرة القوط وفى الطريق انضم إليه عدد كبير من أهل البلاد ومن اليهود الذين صاروا أدلاء له . استطاع طارق الاستيلاء على طليطلة دون مقاومة ونجح مغيث الرومى مولى الوليد بن عبد الملك فى اقتحام قرطبة كما فتحت مالقة وغرناطة وإلبيرة . استقر طارق بن زياد بعض الوقت فى طليطلة للراحة ولترتيب بعض الأمور منها السماح بحرية العبادة وإقامة الشعائر للنصارى واليهود وتنصيب اوباس مطراناً على طليطلة . ثم واصل زحفه شمالا فاخترق قشتالة ثم ليون ، وطارق فلول القوط حتى اشتوريس واستمر فى زحفه حتى خيخون والتى تقع فى خليج بسكونية فى أقصى الشمال الغربى لشبه الجزيرة على المحيط الاطلسى .

READ  الشيعه

عاد طارق بعد ذلك الى طليطلة ولم يلبث ان تلقى أمراً من موسى بن نصير بوقف الفتح . وتذهب بعض الروايات الى ان موسى غضب على طارق حسداً منه لما حققه من نجاح فى فتح الأندلس شكل خطراً على المسلمين . لكن يبدوا ام هذا غير صحيح لان الفتوح التى حققها طارق فى الأندلس كانت باسم مولاه موسى بن نصير ثم ان موسى كام يبعث اليه دوماً بالإمدادات .

على اى حال فقد عبر موسى بن نصير الى الأندلس فى رمضان سنة 93 هـ/ 712 م على راس جيش قوامه ثمانية عشر الف مقاتل معظمهم مِم العرب ونزل بالجزيرة الخضراء وسلك طريق غرب الأندلس . استولى موسى على شذونة Medina Sedonia ثم قرمونة Carmona وزحف الى إشبيلية فحاصرها شهراً حتى اقتحمها وتابع سيره حتى وصل الى ماردة فضرب عليها الحصار حتى استسلمت سنة 94 هـ على ان تكون أموال الهاربين والكنائس غنيمة للمسلمين ودية لمن قتل منهم .

تقدم موسى بن نصير بعد ذلك الى فالقتى بطارق بن زياد فى منتصف الطريق بين ماردة وطليطلة وكان طارق قد خرج لاستقباله فتعاتبا ثم تعاونا فى فتح ما بقى من شبه الجزيرة الايبيرية والقضاء على المقاومة القوطية . زحف موسى وطارق نحو الشمال الشرقى فاخترقا ولاية أراجون ( الثغر الأعلى ) واستولى على سرقسطة وطركونة وبرشلونة وغيرها من المدن والمعاقل . ثم افترق طارق وموسى فاتجه طارق نحو جليقية فى الغرب ليقضى على فلول القوط بها . وزحف موسى نحو الشمال فاخترق جبال البرتات وغزاسبتمانيا واستولى على قرقشونة واربونة وتوغل فى مملكة الفرنج حتى وادى الرون . وذكر البعض ان موسى بن نصير كان يفكر فى اختراق اوربا والوصول الى الشام عن طريق القسطنطينية ولولا سياسة الإحجام والتردد التى اتبعتها الخلافة نحو الفتوح فى الغرب لكان موسى قد نفذ مشروعه الطموح .

كتب الخليفة الوليدين عبد الملك الى موسى يحذره من التوغل بالمسلمين فى مناطق مجهولة ويأمر بالعودة الى دمشق فارتد موسى مرغماً اسفاً لكنه تمهل فى العودة ريثما يقضى على المقاومة فى جليقية فاخترقها واستولى عليها على معظم معاقلها ولم يبق من النصارى بها سوى شراذم يسيرة اجتمعت حول زعيم يدعى بلايو ولجأت الى قاصية جليقية . وبينما كانت موسى يتأهب للقضاء على هؤلاء اذ أتاه كتاب اخر من الخليفة الوليد بن عبد الملك يستدعيه هو وطارق للمثول أمامه فى دمشق ربما بسبب ما نما اليه من الخلاف الذى وقع بينهما وخاف من ذلك على تفرق كلمة المسلمين ونكبتهم فى الأندلس او بسبب خوفه من استقلال موسى بالأندلس . لكن مهما كان سبب استدعاء الخليفة لهما فان ذلك لم يكن فى صالح المسلمين فى الأندلس لان هذا الشراذم النصرانية التى تركاها بقاصية جليقية لم تلبث ان تكاثرت وقويت وأصبحت نواة لنشأة المملكة النصرانية فى الشمال والتى ستقوى عاماً بعد عام وتتوسع على حساب المسلمين ويتقصى على دولة الاسلام فى الأندلس فى النهاية .

غادر موسى وطارق الأندلس فى ذى الحجة من سنة 95 هـ / سبتمبر سنة 714 م ووصلا دمشق فى بداية سنة 96 هـ وكان الوليد يعانى سكرات الموت . فلما تولى سليمان بن عبد الملك ( 96- 99هـ ) الخلافة اساء معاملة موسى لرفضه طلبه فى التمهل فى الحضور الى دمشق حتى يتولى الخلافة ويستأثر بالغنائم والسبى . على أية حال هناك خلاف فى الروايات حول مصير موسى بن نصير لكن المؤكد ان الخليفة سليمان لم يحسّن استقباله ولم يكافئه ومالبث ان اختفت اخباره ولم نعد نسمع عنه كما لم نعد نسمع عن طارق لكن يبدو انه لم يلق مصير موسى وربما أحسن الخليفة سليمان استقباله .

وكما أسدلت الروايات العربية ستار الصمت حول مصير موسى وطارق فعلت نفس الشيئ بالنسبة ليوليان الذى لعب دوراً كبيراً فى التمهيد لفتح الأندلس فلم نعد نسمع عنه أيضا اى ذكر .

افتتح عبد العزيز بن موسى بن نصير بعد رحيل موسى وطارق الى الشرق منطقة الساحل الواقعة بين ماقلة وبلنسبة وأخمد الثورة فى إشبيلية وباجة وفتح لبلة وإقليم مرسية فى الشرق بعد ان صالح حاكمه القوطى تدمير Teodiniro على ان يؤدى الجدية . كما فتح عبد العزيز بن موسى يايرة Evora وشنترين Santarem وقلمرية Coimbra فى أقصى الغرب .

من كتاب : تاريخ المغرب والأندلس
د : ( حسن محمد قرنى عويس )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.