محمد صلى الله عليه وسلم

ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الاول . عام الفيل ، وابوه عبد الله بن عبد المطلب ، وأمه آمنه بنت وهب بن عبد مناف بن زهره بن كلاب بن مره بن كعب ابن لؤى بن فهر بن مالك بن النضر . فرسول الله (ص) اشرف ولد آدم حسباً وأفضلهم نسباً من قبل ابيه وأمه (ص) وشرف وكرم ومجد وعظم . وقد مات ابوه قبل ان يولد (ص) فكفله جده عبد المطلب ، ولما بلغ رسول الله(ص) من العمر ست سنين توفيت أمه بالأبواء بين مكه والمدنيه وكانت قد قدمت به على أخواله من بنى النجار فماتت وهى راجعه به الى مكه . ولما بلغ رسول الله (ص) ثماني سنين توفى جده عبد المطلب فكفله عمه ابو طالب وكان محمد (ص) قد اعتاد ان يخرج فى رعايه الغنم وهو طفل فى البادية وهو القائل بعد النبوه (ما من نبى الا وكان راعى غنم) لما فيها من تعلم الصبر والرحمه والأناه وحسن السياسه والتأمل فى الفضاء الفسيح وقد ظهرت هذه الصفات والخصال الحميده عليه (ص) بعد النبوه ، ثم عمل بالتجارة من سن الثانية عشر ، فذهب الى بلاد اليمن والشام فاتسعت معرفته وتجاربه بما شاهده من احوال بلاد الشام وطرق التعامل واخلاق الناس .

وكان محمد (ص) على جانب عظيم من حسن الخلق واشتهر به قومه بالمروءة والوفاء بالعهد وحسن الجوار والحلم والعفه والتواضع والجود والشجاعه والصدق والامانة حتى لقب ( بالصادق الأمين ) وكان يكره عباده الأوثان ومجالس اللهو والسمر فلم يحضر مواسم الحج فى الجاهليه وكان لا يشرب الخمر . ذاع صيت محمد (ص) بعد عمله بالتجارة الى جانب ما عرف عنه من الصدق والامانة وسمعت به السيدة خديجه بنت خويلد وكانت من ساده قومها ، ذات مال عظيم وشرف وعلى درايه واسعه بالتجارة ، فلما بلغها عن رسول الله (ص) ما بلغها من صدق حديثه وعظم امانته وكرم اخلاقه بعثت اليه ، وعرضت عليه ان يخرج فى مالها الى الشام تاجراً على ان تعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجاره مع غلام لها يدعى (ميسره) فقبله رسول الله (ص) وخرجا معا حتى قدما الى الشاموفى هذه الرحله نزل الرسول صلى الله عليه وسلم فى ظل شجره قريبا من صومعه راهب ( كما يحدثنا ابن هشام) فاطلع الراهب الى ميسره فقال : من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجره قط الا نبى … عاد محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الرحله وقد ربحت تجاره خديجه ضعف ما كانت تربح من قبل وقد حدثها ميسره عن قول الراهب وما شاهده من علامات فى هذه الرحله لان الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تظلله غمامه فى ذهابه وايابه وظل فرع الشجره الذى كان يتحرك معه . وكانت خديجه امرأه حازمه لبيبه شريفه فلما اخبرها ميسره بما اخبرها بعثت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه الزواج فقالت له ( يابن عّم أنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطيك فى قومك ( السطه – الشرف ) وامانتكً وحسن خلقك وصدق حديثك ) ثم عرضت نفسها عليه للزواج وهى ارمله فى الأربعين من عمرها وهو فى الخامسة والعشرين وكانت خديجه يومئذ اوسط نساء قريش نسبا واعظمهن شرفاً وأكثرهن مالاً وكانت من قبل ترفض كل من تقدم اليها للزواج اما هو فقد عرضت نفسها عليه . وبعد ان تزوج محمد صلى الله عليه وسلم من خديجه ولدت له أولاده كلهم الا ابراهيم من ماريا القبطية وهم : القاسم وبه كان يكنى ،والطاهر والطيب ،وزينب ، ورقيه ، وأم كلثوم ، وفاطمة الزهراء ، فأما القاسم والطيب والطاهر فهلكو فى الجاهليه وأما بناته ص فكلهن أدركن الاسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم وكان قد زوج بناته قبل البعثة من اولاد عمه عبد العزى بن عبدالمطلب وكان يكنى (بأبى لهب) وذكر اسمه فى القران فى سوره باسمه وبعد الرساله امر ابو لهب أولاده بان يطلقوا رقيه وأم كلثوم فتزوجهن عثمان بن عفان الواحدة بعد الاخرى وعندما ماتت ام كلثوم قال له صلى الله عليه وسلم لو كان عندنا غيرها لزوجناك .

اثر محمد صلى الله عليه وسلم العزله والنسك والعبادة فقد كان يخلو بنفسه ويفكر ويتأمل الملكوت وعجائب الكون ويفكر فى البعث والحساب . وقد اهتدى للحنيفيه وهى دين جده ابراهيم الذى يدعو الى نبذ عباده الأوثان والإيمان بالله وحده لا شريك له والبعث ، فكان يذهب الى غار حراء فى اعلى مكه العباده والتأمل واستمر على هذا الحال حتى بلغ الأربعين من عمره فنزل عليه الوحى فى رمضان فرأى جِبْرِيل عندما ظهر أمامه وقال له : اقرأ فقال : ما انا بقارئ فغطه( اى ضمه اليه بشده ) ثم ارسله فغطه ثانيه وقال : اقرأ قال : ما انا بقارئ فأرسله وغطه لأمره الثالثه وقال ( اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم ) سوره العلق فكانت هذه الايه اول ما انزل من القران وبدايه النبوه والرسالة للنبى محمد صلى الله عليه وسلم . امر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة الى الله الواحد. الأحد ونبذ عباده الأصنام فنزل قوله تعالى ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فَطَهِّر والرجز فَاهْجُر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر ) (سوره المدثر ) . فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بما كلّف به من امر الدعوة وأخذ يدعو الى الاسلام سراً اقرب الناس اليه وكانت خديجه بنت خويلد اول من أمن به من النساء وصدقت بما جاءه من الله وانه رسول الله للعالمين واسلم على بن ابى طالب (أبن عمه ) وزيد بن حارثه مولاه (وخادمه) وأبو بكر بن ابى قحافه وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وَعَبَد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقّاص (وهو خاله) وطلحه بن عبيد الله فكان هؤلاء الذين سبقو الناس بالدخول فى الاسلام . استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو قومه سرا للإسلام ثلاث سنين وكان يجتمع بهم فى دار الارقم بن ابى الارقم ثم أمره الله تعالى ان يظهر دينه فقال تعالى مخاطبا له فى كتابه الكريم ( فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين ) وقال تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقل أنى انا النذير المبين ) وكان ذلك إيذانا بالجهر بالإسلام وانه الرساله الخاتمة للرسالات السابقة . كانت تلك الآيات إيذاناً بمرحله جديده من الدعوة وهى مرحلة الجهر والعلن وقد استجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لامر ربه وأخذ يفكر فيما سيحدث به قريشاً ثم دعا الرسول قومه الى طعام صنعه وتكلم الرسول فقال : يابنى عبدالمطلب أنى قد جئتكم بخير الدنيا والاخره ودعا بطون قريش من فوق حبل الصفا بظاهر مكه فلما اجتمعت اليه قال ( ارايتم لو أخبرتكم ان خيلا بالوادي تريد ان تغير عليكم أكنتم مصدقى )؟قالوا نعم ! ما جربنا عليك كذبا أبدا . فقال ( أنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ) فقال أبو لهب تبا لك الهذا جمعتنا.

READ  اخلاق معاويه بن ابى سفيان

بدأت قريش معارضتها للدعوه الاسلامية بتعذيب المستضعفين من المسلمين وقيل ان المشركين كانوا يضربون المسلم ويجوعونه ويعطونه حتي كان لايقدر على الجلوس من شده الضرب وتفنن مشركون قريش فى وسائل تعذيب المسلم ولَم يقتصر تعذيب قريش على الرجال بل تعداهم الى النساء وقذ ضعفت عزائم فئه قليله بتأثير هذه المحنه على حين ساعد هذا الاضطهاد على انتشار الاسلام وازكاء الحماسه الدينيه فى نفوس فئه اخرى وفى هذه المرحلة عطف ابو طالب على الرسول ومنعه وحماه فمضى رسول الله فى امر دعوته ولما رأت قريش منه الجد والاستمرار فى الدعوه خشيت ان يعظم أمره فتوجه وفدا من إشرافها الى ابى طالب فقالوا له يا ابا طالب ان ابن اخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه احلامنا وضلل ابائنا فأما ان أكفه عنا وأما ان تخلى بيننا وبينه فصرفهم ابو طالب ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر دعوته فشلت الوفاده الاولى وتذمر إشراف قريش وفدوا الى ابى طالب مره ثانيه وأعلنه انه لا يصبرون على هذا الحال فإما ان يكفه عن هذا أو ينازلوه وإياه عظم على ابى طالب تحدي قومه له وعدواتهم فأرسل الى محمد صلى الله عليه وسلم وأفضى اليه بشكواهم وقد ظن الرسول صلى الله عليه وسلم ان عمه يريد ان يخذله وانه ضعف. عن نصرته فقال الرسول صلى الله عليه وسلم والله ياعم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يساري على ان اترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه فتركه ثم أستعبر وبكى فلما ولى ناداه ابو طالب فقال اقبل يابن اخو فلما اقبل عليه قال له اذهب فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا وبذلك اظهر ابو طالب الجد فى نصره الرسول وحاولت قريش للمره الاخيرة الاتفاق مع ابى طالب فمشوا اليه بعماره ابن الوليد فتى قريش وأشهرهم وأجملهم وقالوا لأبى طالب فلك عقله ونصره واتخذه ولدا واسلم ابن اخيك فنقتله فانما هو رجل برجل فقال ابو طالب لباس ما تسوموننى اتعطونى ابنك أعدوه لكم وأعطيكم ابنى لتقولوا ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما اصاب أصحابه من اذى وبلاء إذن لهم بالهجره الى الحبشه فقال لهم لو خرجتم الى الحبشه فان بها ملكا لا يظلم عنده احد وهى ارض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه . فخرج عند ذلك المسلمون الى ارض الحبشه فرارا الى الله بدينهم فكانت اول هجره فى الاسلام . وقد صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أكرم النجاشي هؤلاء المهاجرين وامنهم على حياتهم ولما رأت قريش المسلمين قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشه وأصبح وأصبح لهم بها دارا وقرارا واتفقوا فيما بينهم ان يبعثوا للنجاشي منهم رجلين من قريش ليخرجهم من بلاده فبعثوا عبدالله بن ابى ربيعه وعمرو بن العاص بن وائل . عمد وفد قريش الى الوشاية بالمسلمين عند النجاشي وأنهم يقولون فى ( عيسى عليه السلام ) قولا عظيما وكان النجاشي بعيد النظر فطلب هؤلاء المسلمين وسألهم عن طبيعه دينهم فتقدم جعفر بن ابى طالب ووصف له حاله العرب قبل الاسلام وبعده وشرح له ان دعوه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترمى الى ترك عباده الأوثان وعباده الله ألواحد فقال له النجاشي هل معك مما جاء به من الله شئ؟ فقال جعفر: نعم وقرأ جعفر عليه صدرا من كهيعص ( سوره مريم وفيها حديث ميلاد المسيح ) فبكى النجاشي وقال ان هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاه واحده . انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكم . ظل بنى هاشم مهجورين فى شعب من شعاب مكه حتى رثى بعض القريشين لحالهم وتعاقدوا على نقض الصحيفه فعاد بنو هاشم وبنو عبد المطلب الى ديارهم بعد ما ذاقوه من العذاب . استمر الرسول صَلَّى الله عليه وسلم فى نشر الدعوه الاسلامية وكان أهل بيته ينصرونه على الرغم مما لا قوه من العذاب الشديد والأهوال على ان الرسول صلى الله عليه وصلك أصيب بمصيبه عظيمه فى السنه العاشره من الدعوه وفاه عمه وحاميه ابو طالب وزوجته خديجه بنت خويلد وفقد الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك نصيرين كبيرين فقد نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى مالم تكن تطمع به فى حياه ابى طالب حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فى ذلك ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات ابو طالب .

اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاه عنه وبعد ان اشتد أَذًى قريش له الى البحث عن قوم ينصرونه ويكونون لع عضدا ومنعه على قومه فخرج الى الطائف حيث تستقر قبيله ثقيف يتلمث منهم النصره ورجاء ان يتقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل لم يكتف زعماء ثقيف برفض الدعوه التى جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بل اغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويطاردونه واضطر الى الاحتماء بأحد بساتين بنى ربيعه ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف يقول بن هشام فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الهم أنى اشكوا إليك ضعف قوتى وقله حيلتى وهوانى على الناس يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وانت ربى الى من تكلنى الى بعيد يتهجمنى ان الى عدو ملكته امرى؟ ان لم يكن بك على غضب فلا ابالى ولكن عافيتك هى أوسع لى اعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والاخره من ان تنزل غضبك أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوه الا بك .

READ  الامام مالك

عاود الرسول نشر الاسلام بين أهل مكه وكان كل اعتماده فى نشر الدعوه فى موسم الحج فكان يعرض نفسه على القبائل ويدعوهم الى الله وظل ابو لهب يعارض دعوتهم ويحثهم عَلى رفضها فيقول إنما يدعوكم الى ان تسلخوا اللَّات والعزى من اعناقكم الى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تُطِيعُوه وكان بعض الاحجاج يرفض دعوته بينما بعضهم يرد عليه ردا قبيحا . فى ذلك الوقت اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى حيث عرج به الى السموات السبع يقول الله تعالى ( سبحان الذى اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آيَاتِنَا انه هو السميع البصير ) وفى تلك اليله فرض الله على المسلمين الصلوات الخمس .

وبينما كان الرسول يعرض نفسه على القبائل العربيه فى موسم الحج وجدت دعوه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستجابة من أهل يثرِب الذين كانوا على علم بدعوه رسول الله . وهجره المسلمين ونجاتهم بعقيدتهم الى بلاد الحبشه كما علموا بأسلام رجال من بُطُون قويش المختلفة ومن القبائل الاخرى قفد كانوا على اتصال بمكه عن طريق الذين يفدون الى مكه للحج . ولا شك ان هناك عوامل هيأت أهل يثرِب لقبول الدعوه الاسلامية ومنها مخالطتهم لليهود حتى انهم ألفوا أفكار اليهود الدينيه التى تدعو الى وحدانيه الله وعظمته وقدرته والبعث والحساب والجنه والنار وكان هذا مما اضعف الوثنية فى نفوس أهل يثرِب وجعلهم اقدر على فهم الدعوه الاسلامية من أهل مكه . ولا شك ان أهل يثرِب عندما رأوا محمداً وتعاليمه التى تدعوا الى وحدانيه الله تعالى ادركوا مبلغ الشبه بينها وبين ما تدعوا اليه اليهوديه فبادروا الى تصديقه حتى لا يسبقهم اليهود الى ذلك . ولا شك ان حاله المجتمع فى يثرِب جعلته مهيأ لقبول الدعوه الاسلامية فقد كان المجتمع اليثربى فى حاجه الى من يوحد كلمته ويجمع شمل أهله ويقضى على ما بينهم من نزاع وبغضاء وقد وجدوا فى شخصيه الرسول صلى الله عليه وسلم بغيتهم المنشودة فهو رجل من أكرم بيوتات قريش وسادتها وهو الذى يستطيع ان يجمع الاوس والخزرج تحت لوائه ويقضى على ما بينهم من تنافس وخاصه بعد يوم بعاث الذى كان النصر فيه للأوس.

كل هذه العوامل هيأت أهل يثرِب لقبول دعوه الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الله عز وجل قد أراد إظهار دينه واعزاز نبيه عليه السلام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموسم يعرض دينه على قبائل العرب كعادته فبينما هو عند العقبه لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وكانوا ينشدون حليفا لتوحيد كلمتهم مع الاوس أو للتغلب عليهم اذ كان كل منهما يريد ان تكون له الرئاسه فلقيهم الرسول عند العقبه فسمعوا له واجابوه . وقد أشار بن هشام الى هذه المقابله التى كانت نقطه التحول فى تاريخ نشر الدعوه الاسلامية وأول خطوه لتأسيس الدولة الاسلامية الكبرى ففى هذه المقابله قال الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء اليثربيين ، من أنتم ؟ قالوا : نَفَر من الخزرج . قال : أمن موالى يهود ؟ قالوا :نعم قال : افلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى . فجلسوا معه فقال بعضهم لبعض تعلموا والله انه للنبى الذى توعدكم يهود ، فلا يسبقنكم اليه . وقد قبل هؤلاء النفر دعوه الرسول صلى الله عليه وسلم رجاء ان توحد هذه الدعوه صفوف أهل يثرِب وانصرفوا راجعين الى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا وكانوا كما قيل ساه نَفَر من الخزرج ولما قدم هؤلاء النفر الى المدينة ذكروا لقومهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوهم الى الاسلام فلم تبق دار من دور أهل يثرِب الا وذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بفضل استعداد هذه المدينة لقبول الدعوه الاسلاميه وما قام به هؤلاء الدعاه من جهد فى تأديه رسالتهم وتبليغ الدعوه ولما حل الموسم التالى وافى مكه ( فى السنه الثانية عشره من البعثة ) اثنا عشر رجلا من أهل يثرِب لقوا الرسول فى العقبه وبايعوه فى تلك اليله وقد سُميت تلك البيعة (بيعه النساء)وبيعه العقبه الاولى وعن عباده بن الصامت قال ( كما ذكر بن هشام : كنت فيمن حضر العقبه الاولى وكنا اثنا عشر رجلا فبايعنا رسول الله على بيعه النساء وذلك قبل ان تفرض الحرب على ان لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل اولادنا ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وارجلنا ولا نعصيه فى معروف فان وفيتم فلكم الجنه وان غشيتم من ذلك شيئا فأمركم الله عز وجل ان شاء عذب وان شاء غفر ) . وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء القوم مصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره ان يقرأهم القران ويعلمهم الاسلام ويفقههم فى الدين فكان يسمى المقرئ بالمدينه . انتشر الاسلام بين أهل يثرِب وما ان وافى موسم الحج التالى ( فى السنه الثالثه عشر من البعثة ) حتى خرج من يثرِب ثلاثه وسبعون شخصا من المسلمين الذين اسلموا حديثا قاصدين مكه وقد عزموا على ان يدعو النبى صلى الله عليه وسلم للهجره الى يثرِب وبايعوه على انهم نبيهم وزعيمهم وقد اجتمع هؤلاء اليثربيين برسول الله صلى الله عليه وسلم فى العقبه بعد اداء الحج وكان معه العباس (عمه) وكان لا يزال على الشرك فوجه كلامه الى اليثربيين فقال ( يامعشر الخزرج ان محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل راينا فيه فهو عز من قومه ومنعه فى بلده وانه قد ابى الى الانحياز إليكم واللحوق بكم فان كُنتُم ترون إنكم وافون له بما دعوتتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم ما تحملتم من ذلك وان كُنتُم ترون إنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج بتاليكم فمن الان فدعوه فانه فى عز ومنعه من قومه وبلده. وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليثربيين فقال ابايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبنائكم فاخذ احد اليثربيين بيده ثم قال : نعم والذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه ازرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ( السلاح ) ورثنا عن كابر .ثم تكلم احد اليثربيين معبرا عن الموقف بينهم وبين اليهود فى يثرِب وراجيا ان يستمر الرسول صلى. اللهً عليه وسلم بينهم بعد حمايتهم له فقال : يا رسول الله ان بيننا وبين الرجال ( اليهود ) حبالاوانا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم لظهرك الله ان ترجع الى قومك وتدعنا فقال الرسول : بل الدم الدم والهدم الهدم ، انا منكم وأنتم منى احارب مت حاربتم واسالم من سالمتم . وعلى هذا يمكن القول ان الرسول صلى الله عليه وسلم وجد فى أهل يثرِب العصبيه القويه التى كان ينشدها والعضد والمنعه على قومه منا هيأ لنجاح الدعوه الاسلاميه وتكوين الدولة الاسلاميه الكبرى . ولما علمت قريت بنبأ تحالف الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل يثرِب ، تآمرا على اغتياله واجتمعوا فى دار الندوه للتشاور فى هذا الامر فمنهم من أشار بحبسه وبعضهم بقتله وانتهى بهم الراى ان يؤخذ من كل قبيله فتى جلد وان يعطى كل منهما سيفا فيضربوه ضربه رجل واحد وبذلك يتفرق دمه فى القبائل فلا يستطيع بنو عبد مناف ان يحاربوا العرب جميعا فنزل على الرسول قوله تعالى ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين) {سوره الانفال} .

READ  خوفو ( خنوم ، خوفوى )

فشلت المؤامره التى دبرها زعماء قريش للفتك بالرسول صلى الله عليه وسلم ونجى الله رسوله وخرج من مكه مهاجرا الى يثرِب فوصلها فى ربيع الاول ( سبتمبر 622م). وقد أصبحت يثرِب بعد هجره الرسول صلى الله عليه وسلم اليها معقل الاسلام وملجأ جماعه المسلمين وأصبحت تعرف باسم مدينه النبى صلى الله عليه وسلم ثم صارت تعرف بعد ذلك باسم المدينة المنوره لوجود قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بها.

وقد اتخذ المسلمون السنه التى هاجر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من مكه الى المدينة مبدأ للتاريخ عندهم نسبه الى هذا الحادث العظيم وكانوا يؤرخون الحوادث قبل ذلك بعام الفيل سنه 570م وبعد ان هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة أصبحت فى ذلك الوقت تضم ثلاثه عناصر من السكان الاول : المهاجرين : وهم الذين هاجروا فرارا بدينهم من مكه الى المدينة . والثانى : الانصار : وهم الذين دخلوا فى الاسلام من سكان المدينة الأصليين وهم الاوس والخزرج وسموا بذلك لأنهم نصروا النبى صلى الله عليه وسلم على قريش . الثالث : اليهود: وقد انتهى بهم الامر الى الخروج من الجزيره العربيه . كانت هجره الرسول صلى الله عليه وسلم الى يثرِب إيذانا بمرحله جديده فى تاريخ الدعوه الاسلاميه وقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم ان ينشر دينه بين أهل المدينة وان يجد من بينهم اتباعا كثيرين فى فتره قصيره ، كما استطاع ان يصلح ذات بينهم ويوطد السلم بين قبائلهم فاخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار وقال فيما بلغنا : تأخوا فى الله أخواين اخوين كما عقد الرسول صلى الله عليه وسلم حلفا بين المسلمين من المهاجرين والأنصار وبين اليهود .

وفاه الرسول صلى الله عليه وسلم

وقد انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى جوار ربه فى الْيَوْمَ الاثنين 13 ربيع الاول سنه 11هـ- 8 يونيه 632م وهو فى الثالثه والستين من عمره بعد ان بلغ الرساله وأدى الامانه على أحسن الوجوه وأكملها هذا وقد كان للإسلام اثر عظيم فى حياه العرب فقد جمع الاسلام قبائل العرب تحت لوائه وألف بين قلوبهم وقضى على العصبيه القبليه وذالت الحزازات القديمة والثارات التى كانت بين القبائل وخضعوا لحكم النبى وأوامر القران وقامت بفضل الاسلام فى بلاد العرب حكومه مركزيه عزيزه الجانب وأصبح حماس العربى الإسلامى واستبساله فى الذود عنه لا يقل عن حماسته فيما قبل لوثنيته . لقد غير الاسلام اخلاق العرب وساعد على نشر الفضيات بينهم وحرم الاسلام سفك الدماء ومنع ان يأخذ صاحب الثأر ثأره بنفسه وشرع الاسلام للمسلمين نظام المعاملات كالبيع والشراء والزواج والطلاق وحرم المنكرات كالخمر والزنى والميسر وقرر الحدود والقصاص وأمر بالصلاه وألزمته والصيام ونشر بين المسلمين مكارم الأخلاق والمثل العليا التى تتمثل فى صدق الحديث وصله الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء الى غير ذلك من فضائل . وصفوه القول ان الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر المؤرخون أتم من الاعمال ما يدهش العقول ولَم يعهد التاريخ مصلحا ايقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن للفضيله فى زمن قصير كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم . من كتاب تاريخ وحضاره العرب قبل الاسلام …………

للكاتب د. زنوبه نادى مرسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.