محمد علي وتجربة التحديث

كان محمد علي جنديا ألبانيا ، جاء الى مصر ضمن القوات التى جاءتها للمشاركه فى اخراج الفرنسيين . ووجوده بالقوات العثمانية داخل البلاد جعله يعايش التنافس الانجليزي . الفرنسي لضم مصر الى السوق العالميه فى وقت كانت الدوله العثمانية فى حاله عجز مرده تخلفها الحضارى .

لذا ادرك محمد علي ان محاولات ضم مصر للسوق العالميه لن تتوقف بعد وصوله للحكم وهذا ماتجلى له ، عندما أرسلت إنجلترا حملة فريزر (1807) مالم تنجح مصر فى سد فجوة التخلف الحضارى بينها وبين الغرب وبما يساعدها على التزود بأسباب ألقوه والمنعه التى تحقق نوعا من التوازن يجعل الغرب يقيم لها وزنا وإلا يسعى لتحويلها الى احد توابعه .

لهذا طرح محمد علي مشروع نهضوى لاقامه دوله نموذجية حديثة فى مصر قد تتيح له ولأفراد أسرته من بعده فرصه إقامة دوله اسلاميه قويه فى المنطقة تكون مصر مركزا لها . وهذا المشروع كان يستهدف توفير مؤسسة عسكرية قوية لمصر تدفع الغرب الى التعامل معها معامله الند بالند وتجعل لمصر ثقلا سياسيا فى المنطقة

ولما كان هذا المشروع يحتاج الى موارد ماليه ضخمة حرص محمد علي على الا يعتمد على الخارج فى تدبيرها حتى لا يمارس الغرب ضغوطا عليه فقد اتجه الى تدبيرها من. الداخل مع الاستبعاد المعتمد لرأس المال الأجنبى ، وتدبير احتياجات محمد علي الماليه من الداخل دفعه الى وضع يد الدوله على كل مصادر الدخل حتى تسيطر على الفائض الإقتصادى الذى كان يذهب الى جيوب القلة المستفيده منه .

ولما كان القطاع الزراعي يمثل اهم القطاعات الاقتصاديه وأكثرها قدرة على الاستجابة لاحتياجات محمد على المالية السريعه فقد اتجه اليه اولا وعمل على زحزحة الفئات المستفيدة بمعظم فائضه الإقتصادى . وقد كان الملتزمون فى مقدمة من رأى محمد على زحزحتهم عن الارض الزراعية لانتفاعهم بمعظم الفائض الإقتصادى هذا فضلا عن نفوذهم بالريف المصرى والذى سيحول بين محمد على وإمكانية تعبئة طاقات المصريين لخدمة مشروعه السياسي ..

ولما كان القطاع الزراعي يمثل اهم القطاعات الاقتصاديه وأكثرها قدرة على الاستجابة لاحتياجات محمد علي المالية السريعه فقد اتجه اليه اولا وعمل على زحزحة الفئات المستفيدة بمعظم فائضه الإقتصادى . وقد كان الملتزمون فى مقدمة من رأى محمد على زحزحتهم عن الارض الزراعية لانتفاعهم بمعظم الفائض الإقتصادى هذا فضلا عن نفوذهم بالريف المصرى والذى سيحول بين محمد علي وإمكانية تعبئة طاقات المصريين لخدمة مشروعه السياسي .

وعندما اقدم محمد علي باشا على تصفية نظام الالتزام لم يلجأ لأسلوب الطفرة مع الملتزمين بل اثر تغييبهم على مراحل حتى لا يستثيرهم ضده فى الوقت الذى كانت حاجته الى الأموال تتزايد بشكل مرحلى لهذا استغرقت تصفية الملتزمين حوالى سبع سنوات والتى بدأت فى اغسطس 1808عندما فرض ضريبة كلفة الزخيرة ولما فشل الملتزمين فى دفعها ألغى التزام 160 قرية فضلا عن التزامات البحيرة والتى وزعها على أولاده ورجاله. وفى 1809 ألغى نصف فائض الالتزام والغى اعفاء أراضى الأوسية من الضرائب ثم فرض فى 1810 ضريبة استثنائية على القرى مما أدى الى هروب الفلاحين وترك الاراضى دون زراعة بشكل أعجز كثير من الملتزمين على دفع ماتراكم عليهم من ضرائب والذين اضطروا الى التنازل عن حصصهم للحكومه نظير إعفائهم من ضرائب كذلك سحب الباشا مساحات من أراضى الملتزمين الذين تظلموا من الضريبه بعد مراجعة تقاسيطهم ثم جائت مذبحة القلعة لتطلق يد محمد على فى الاستيلاء على حصص ضخمة من الالتزام وفى فبراير 1814 اصدر محمد على أمرا بإلغاء نظام الالتزام مع ترك أراضى الاوسية بيد الملتزمين طوال حياتهم مع إعفائهم من الضرائب

اما بالنسبة لأطيان الرزق فقد بدأت الدوله فى الاستيلاء على ما بالصعيد منها فى سنة 1812 وما ان اقترب عام 1813 من نهايته كانت الدوله قد وضعت يدها على أراضى الرزق بالصعيد وحلت محل المنتفعين بها ..

وفى الوقت الذى غيبت فى الدوله اصحاب النظام القديم اتجهت الى خلق الجماعات اصحاب مصالح جديدة تمثل ظهيرا قويا للنظام فتدافع عن بقائه اذا ما تعرض لمنحة من الداخل والخارج لان تهديد النظام يعنى تهديد مصالحهم وقد تشكلت هذه الطبقة من أفراد أسرة محمد على وكبار موظفيه الأتراك ،الشوام ، ارمن ، مصريين ، وبعض الأجانب الأوربيين ، وشيوخ البدو وأعيان الريف والأقباط وتمثلت هذه المصالح فى ربطهم بمساحات ضخمة من الاراضى الزراعية التى منحها لهم فى مساحات كبيره ، أراضى الاباعد ، الجفالك ، الاواسى ، المسموح ، العهد ، واعفاها من الضرائب ، ثم أقر فى سنة 1837 حقهم فى توريثها ، وفى فبراير 1842 حصلوا على حق الملكية التامة لها .

وفى الوقت الذى أوجد فيه محمد علي طبقة اصحاب مصالح جديدة حلت محل الطبقة التى كانت قد استأثرت بالفائض الإقتصادى للأرض قبل محمد على قامت الدوله بتوزيع حق الانتفاع بالاراضي الخارجية على الفلاحين بعد مساحتها فى سنة 1813 بمعدل تراوح بين ثلاثة وخمسة أفدنة لكل أسرة . كما سجلت أطيان الرزق باسم واضع اليد عليها .

وبعد ان وضعت الدولة يدها على الاراضى الزراعية واعادت توزيعها على الفلاحين الذين ربطتهم بها راحت تنفذ سياسة زراعية استهدفت زيادة الانتاج الزراعي افقيا ورأسيا ففيما يتعلق بزيادة الانتاج من الناحية الأفقية اتجهت الدوله الى توسيع المساحات الزراعية باستصلاح الاراضى البور مستخدمة فى ذلك رؤوس الأموال التى يمتلكها بعض الافراض الأجانب من اليونانيين والبريطانيين والاغنياء من كبار الموظفين والذين منحتهم الدوله مساحات من الاراضى واعفتها من الضريبة فى مقابل قيامهم باستصلاحها .

وحتى تؤتى سياسة استصلاح الاراضى ثمارها ادخل الباشا تحسينات على نظم الرى لكن الإمكانيات المالية للباشا جعلته يتدرج فى تجديد شبكة الرى فى البداية حيث ظل حتى سنة 1816 يعتمد على ادخال تعديلات على نظم الرى التى كانت قائمة وبعد ذلك قام على تنفيذ شبكة من الترع والرياحات والقناطر ، ساعدت على توفير الرى الدائم لمصر السفلى والفيوم خصوصا بعد ان عرفت مصر آلات الرى الحديثة .

READ  اخلاق معاويه بن ابى سفيان

ولزيادة الانتاج رأسيا زيادة إنتاجية الفدان او زيادة المساحة المحصولية ادخلت الدولة أساليب زراعية جديدة على يد مجموعة من الخبراء الأجانب الذين وفرت لهم الدولة حقول التجارب وحرصت على تفيذ ما انتهوا اليه من نتائج بفرض سلسلة من القيود على الجهاز الزراعي الارشادي والفلاحين وقد نجحت هذه السياسة فى ادخال زراعة حاصلات نقدية جديدة بمصر كالقطن والسكر والنيله وكذلك استنباط نوعيات من البذور ذات كفاءة عالية .

ولما كانت الحاصلات النقدية تسبب للأرض إجهادا لذا حرصت الدولة على تطبيق نظام الدورة الزراعية التى كانت ثلاثية فى معظم الأحوال حتى توفر للأرض قدرا من الراحة تساعد على الحفاظ على خصوبتها والبتالي إنتاجيتها علاوة على ذلك شددت الدولة على استخدام المخصبات العضوية وكذلك تقديم التسهيلات الائتمانية فى شكل سلف والات زراعية وحيوانات والات رى . وإذا كانت هذه التسهيلات لم تحل دون لجوء الزراع الى المرابين للاقتراض منهم بفوائد باهظة وبيع الحاصلات قبل حصدها الا ان الحكومة كانت تسرع بالتدخل كلما نمت اليها معلومات عن هذه المعاملات المحظورة .

وحتى تضمن الدولة حصد ثمار سياستها الزراعية وجهودها فقد أوجدت نظام ضريبى موحد بموجبة حددت الضرائب على أساس نوعية الارض ومساحتها وحتى تضمن تحصيل الضريبة فى وقت واحد جعلت جبايتها مقترنة باحتكار الحاصلات الذى بدأ بالحاصلات النقدية ثم شمل باقى الحاصلات حيث فرضت الدولة على الفلاحين زراعة الحاصلات ذات العائد الكبير وألزمتهم بتوريدها الى الشون الحكومية التى انتشرت فى أنحاء البلاد بالسعر الذى تحدده

ولكى لا تتحمل الدولة النتائج المترتبة على تبوير مساحات من الاراضى فقد طبقت نظام المسؤلية الجماعية فى تسديد الضريبة والذى اعتبر سكان كل قرية متضامنون فى تسديد الضريبة المقررة عليهم لذا كان فائض اى شخص يخصم مما على قريته من بقايا. .

وقد أدت سياسة الدولة من اجل السيطرة على الفائض الزراعي إلى الأضرار بالفلاحين الذين عجزوا عن تسديد ماكان مستحقا عليهم من ضرائب سنوية خصوصا بعد استخدمت الحكومة اعداد كبيرة منهم فى الجيش الحديث على حساب العمالة الزراعية مما أدى الى تراكم الأموال المتأخرة (البقايا ) على القرى الى حد دفع محمد على الى التفكير فى نظام لحل هذه المشكلة ومن ثم انتهى الى نظام (العهد ) والذى الزم الباشا بموجبة الاثرياء( من رجاله وقادة جيشه وبعض شيوخ القرى ) بدفع ما على القرى من بقايا دفعه واحدة ثم يتولون تحصيل الضرائب من الفلاحين حسب ظروفهم وكان المتعهد يضع يده على مساحة من أطيان القرية ويترك للفلاحين ما يستطيعون تسديد الضرائب عنه وكلما تحسنت أحوالهم كان يترك لهم مساحات من الاراضى التى تحت يده حتى اذا استخلص منهم كل ما دفعه ترك لهم الارض جميعا يفلحونها ويسددون ضرائبها للدولة كسابق عهدهم وقد عرفت الارض التى تحت يد المتعهد باسم أراضى (العهده ) والتى كان من حقه استغلالها لحسابه مباشرة بتسخير اهالى القرية فى زراعتها طالما سدد ما عليها من ضرائب .

وفى ظل نظام العهد لم يكن من حق المتعهد تحصيل أموال أكثر من المقرر على الارض التى تحت يده غير ان المتعهدين غالوا فى استغلال الفلاحين الذين جأروا بالشكوى للدولة التى شددت على المتعهدين بضرورة مراعاة العدالة فى التعامل معهم غير ان التشديدات لم تلق من المتعهدين آذانا صاغية لذا كثرت حالات هروب الفلاحين من القرى بصورة جماعية بشكل اثر فى تبوير مساحات من الاراضى الزراعية رغم الأوامر المتلاحقه بالقاء القبض على المستحبين وأعادتهم الى قراهم والاستعانه بالبدو فى البحث عنهم وتسليمهم الى المتعهدين . وبذلك سيطرت الدولة على اداة الانتاج الزراعي والتى سخرت الفلاحين فيها لخدمتها فى الوقت الذى اقدمت فيه على تنفيذ سياسة زراعية أدت الى زيادة الانتاج من الناحيتين الرأسية والأفقية والاسهام فى توفير احتياجات محمد على المالية المتزايدة

وفى الوقت الذى سيطرت فيه الدولة على فائض الانتاج الزراعي راحت تسعى للسيطرة على المنتج الصناعي القائم وإعادة تنويعه بما يخدم احتياجاتها فى المرحلة الاولى حتى نجحت فى إقامة صناعات جديدة جاءت فى خدمة المجهود الحربى فى المقام الاول وذلك عقب محاولة الباشا تكوين جيش نظامى . وكان الاهتمام بالصناعة يهدف الى تحقيق ميزان تجارى فى صالح الباشا والاكتفاء ذاتيا وكذلك تحقيق بعض الإيرادات السريعه لخزانة الدولة .

ففى البداية راح الباشا يفرض سيطرة الدوله على الصناعات الحرفية الصغيرة حتى يحقق للخزانة بعض الأرباح من خلال فرض رسوم على الصناع واحتكار الانتاج وبيعه لحسابها بعد تعويض الصناع وكذلك حتى يتمكن الباشا من توجيه بعض الصناعات بما يخدم سياسته .
لذلك جمع صناع كل سلعه فى مكان واحد تحت إشراف ناظر المكوس الذى كان يقدم لهم الخامات ويحدد لهم المواصفات ثم يتسلم المنتج بالسعر الذى تحدده الدولة التى تتولى تسويقه بالاسعار التى نراها أيضا بعد ان حظرت انتاج سلع مثيله للإنتاج المحتكر فى اى مكان اخر بدون ترخيص ولكى يتم ضبط المنتج( البرانى ) حرصت الدولة على تمييز السلع المحتكرة بدمغها بعلامة( الميرى ) .

وقد بلغت سيطرت الدولة على الانتاج الحرفى جداً جعلها تمد هذه السيطرة الى كل الصناعات حتى شملت صناعة الحصر والغزل التى تمارسها النساء فى المنازل .
وبقدر ما استفادت الدولة من سيطرتها على الصناعات الصغيرة فقد اضرت بذات الصناعات بعد ان أدت سياسة الحكومة الى قتل روح الابتكار عندما أخضعت الصناعات لمواصفات معينة وحظرت انتاج سلع مشابهة بعيداً عن سيطرة الدولة كذلك أدت مراقبة الصناع وسوء معاملتهم وحرمانهم من أرباح عملهم الى أضعاف رغبتهم فى العمل وحمل كثير منهم على الهرب مما مهد السبيل لاضمحلال الصناعات الصغيرة .

READ  ابن خلدون وفلسفة التاريخ

وقد ادرك محمد علي عاقبة الإفراط فى هذه السياسة أواخر عهده فتخلى عنها بعد فوات الاوان عندما سمح للصناع ممارسة نشاطهم بحرية فى مقابل دفع ضريبة معتدلة
وبالإضافة الى سيطرة الدولة على الصناعات الصغيرة اتجهت ولاعتبارات عسكرية فى المقام الاول الى انشاء عددا من الصناعات الكبيرة الحديثة ورغم تعدد هذه الصناعات الا ان الانتاج الحربى كان له القدح المعلى فيها فأنشأت الترسانات بالإسكندرية وبولاق لتزويد الأسطول بالسفن والتى قامت حولها عدة صناعات فرعية كما انشأت مصانع للاسلحة والذخيرة والمسابك والنحاس والحديد فى القاهرة والقلعة والحوض المرصود علاوة على ذلك توسعت صناعة الغزل والنسيج لسد احتياجات الجنود واحذيتهم كذلك قامت صناعات تجهيزية لبعض الحاصلات الزراعية كصناعة حلج وكبس القطن وضرب الأرز هذا الى جانب صناعة السكر .

ويؤكد ارتباط الصناعات الكبيرة بالمجهود الحربى ان بعض المصانع كان تابعاً فى ادارته مباشرة لديون الجهادية كما عهد الى بعض كبار الضباط بإدارة الكثير من المصانع وقد ترتب هذا الارتباط ازدياد فى معدلات الانتاج الصناعي فى فترات الحرب والاستعداد لها ثم تناقصه فى أعقابها وهذا ما أدى الى افول نجم الصناعة فى أواخر عصر محمد على عندما تناقص عدد القوات المتحاربة تناقصاً كبيراً .

وقد واجهت الصناعة الحديثة فى عصر محمد علي عقبات شتى حاول التغلب عليها بوسائل مختلفه وكان فى مقدمة هذه العقوبات اختفاء مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل الاَلات الحديثة والاضطرار لاستيراد الفحم بأسعار مرتفعة من إنجلترا والذى أدى ارتفاع سعره وكذلك ارتفاع تكاليف نقله ، فى الوقت الذى ازدادت فيه نسبة استهلاكه لجهل المهندسين بوسائل الاقتصاد فى استعماله الى ارتفاع تكاليف الصناعة المصرية . وقد دفع محمد على الى القيام بمحاولات لاستغلال مساقط المياه المصرية كمصدر للقوة المحركة حتى نهاية عصره رغم استخدام قوة البخار فى تشغيل عدد من مصانع الغزل والصباغة .

اما مشكلة توفير الاَلات التى تقرر إحلالها محل العمل اليدوى فقد اتجه محمد على الى استيرادها من الخارج وخصوصاً من فرنسا والنمسا وبعض المدن الإيطالية بعد ان تلكأت بريطانيا فى توريدها حرصا منها على عدم المشاركة فى تحديث الصناعة المصرية تحسبًا لما قد يترتب على ذلك من غلق بعض أسواق الدولة العثمانية امام منتجاتها . وكان محمد على يدفع ثمن هذه الاَلات نقداً او مقايضة . هذا فى الوقت الذى اتجه فيه لإنتاج بعض الاَلات محليا رغم قصور جهاز الانتاج وقلة المهندسين .

ومن بين المشاكل التى واجهت محمد على فى تحديث الصناعة قضية التمويل والتى جعلته يحكم سيطرته على كل قنوات الفائض الإقتصادى ويتجه لفرض الضرائب والقروض الإجبارية على المواطنين وكذلك التلاعب فى قيمة العمله .
علاوة على ذلك كانت مشكلة نقص العمالة من المشاكل الهامة التى واجهت محمد على نظراً لان كل المشروعات التى اقدم على تنفيذها كانت تقتضى توفير أعداد كبيرة من العمالة .

ونظرًا لعظم الحاجة الى العمال قام الباشا بجمع المتسولين والحقهم بالعمل فى المصانع على غير رغبة المديرين كذلك الحق بالمصانع أعداداً كبيرة من المشوهين الذين أعفوا من الخدمة العسكرية والذين اصيبوا بعاهات مستديمة فى ميادين القتال . كذلك حظر الباشا تشغيل بعض طوائف الحرف دون تصريح حتى يضمن توفير العمالة للمشروعات والمصانع الحكومية .
ولم تكن سياسة محمد على فى انتقاء عمال الصناعة تفترض حرية الفرد فى مزاولة المهنة التى يفضلها او التى تتناسب مع كفاءته كذلك لم يكن العامل حرا فى اختيار الجهة التى يعمل بها بل كانت هذه السياسة تستند الى التوجيه المركزي والإجباري . فيجند العمال من الزراعه والمهن المتواضعة للعمل فى المصانع والترسانات بدلا من إغرائهم بالأجور العالية والذين عهد الى رجال الادارة ومشايخ الحارات بجمعهم .

وكانت سياسة تشغيل العمال القائمة على القسر تؤدى الى اضعاف الحافز عند العمل وحمل العمال على الهرب من المصانع خصوصا بعد ان تساوت ظروف العمل فى الزراعة والصناعة بشكل لم يغر العمال الصناعيين بالبقاء فى المصانع لذلك طلبت الدولة من العمال الصناعيين تقديم كفيل للرجوع اليه اذا ماهربوا ، بهدف التخفيف من الاثار السيئة للهرب من المصانع وما يترتب عليه من ضياع الخبره التى اكتسبوها .

وقد يسهل انتقاد سياسة القسر والإجبار من العمال الصناعيين فى ضوء الأفكار الحديثة غير انها كانت لازمة لنجاح التصنيع السريع فى بلد فقد سكانه الرغبة فى العمل على تحسين وضعهم المعيشى وأصبحوا يرتابون فى نوايا الحكومة .
هذا الى جانب انه لم يكن من اليسير فى الظروف القائمة فى مصر فى ذلك الوقت اتباع سياسة حرية العمل لان قيام تلك السياسة يفترض نظاما اقتصاديا راقيا تلعب فيه حركات الاجور دورا هاما فى توجيه العمال الى ضروب الانتاج التى يعظم فيها الطلب على خدماتهم .

وفى الوقت الذى تغلب فيه الباشا على مشكلة العمالة الصناعية اتجه الى توفير الخبرة الفنية من بين المصريين الذين درسوا وتدربوا بالخارج فى بعثات علمية وعملية . وحتى يتمكن من الاستغناء عن الخبراء الأجانب الذين فاقت تكاليف إقامتهم بمصر الخدمات التى يؤدونها . ولما كانت الصناعات قد ارتفعت تكلفتها بما قد يقلل من فرص تسويقها لذا اتجه محمد على الى فرض رسوم جمركية عالية على الواردات التى لها مثيل محليا رغم الصعوبات التى اعترضت ذلك لكون مصر فى الوقت ولاية عثمانية تخضع كغيرها من الولايات للمعاهدات التجارية التى عقدتها الدولة العثمانية مع الدولة الأوربية والتى كانت تعطى للتجار الأجانب الحق فى ادخال سلعهم الى اجزاء الامبراطورية العثمانية فى مقابل ان يدفعوا عنها رسم وارد قدرة 3‎%‎ من قيمة السلع .

READ  ابو الفرج الأصفهاني

وبنجاح محمد على فى التغلب على معوقات تحديث القطاع الصناعي استطاع ان يقيم وينهض بعدد من الصناعات الحربية والصناعات التجهيزية والتحويلية للمواد الخام الزراعية . ورغم ارتفاع تكاليف بعض هذه الصناعات عن اسعارها فى السوق الا ان محمد على أبقى عليها طالما اثر الاستمرار فى مشروعه السياسي الطموح حتى لا يؤدى التراجع عن الاهتمام بالقطاع الصناعى الى تشويه هيكل الاقتصاد المصرى والتعجيل بدمجه فى الاقتصاد الرأسمالى العالمي ووأد مشروعه السياسي . وقد أدى احتفاظ محمد على بقوة الدفع الصناعية فى الوقت الذى وسع منطقة نفوذه حتى شملت السودان والحجاز وبلاد الشام جعل النظام العالمى يفكر فى تدمير هذا النظام الخطر على مصالحه فى منطقة الشرق الأدنى ومن ثم اتجهت الدول الغربية الى الضغط على السلطان العثماني لإلزام محمد على بتطبيق معاهده بالطه ليمان 1838 والتى تقضى بالسماح للسلع الأجنبية بدخول بلاد الدولة العثمانية بعد تحصيل رسوم جمركية تبلغ 5‎%‎ من قيمتها . لكن محمد على رفض تنفيذ هذه المعاهدة مما دفع الدول الأجنبيه المتحالفة الى محاصرة السواحل المصرية وإجبار محمد على تحت تهديد السلاح على قبول معاهدة 1840 والتى حددت إمكانيات محمد على العسكرية وبالتالي اتجاهه لإهمال كثير من الصناعات وتدهورها بعد ان انتفت الحاجه اليها .

اما بالنسبة لقطاع التجارة فقد عملت الدولة على احتكاره حتى تتمكن من حصد الفائض وتوجيهه بما يخدم مشروع محمد على خصوصا بعد ان سيطرت على قنوات الفائض الزراعي والصناعى وحتى يتسنى لها التحكم فى السوق بما يوفر المواد الخام الرخيصة للصناعة الناشئة وإجبار الاهالى على استهلاك السلع المحلية وكذلك توزيع المنتجات وتصديرها بما يوفر الحماية للصناعة .

وقد ساعد الدولة فى احتكار التجارة سيطرتها على فائض الانتاج الزراعي والصناعى وقد سيطرت على الفائض الزراعي عندما ألزمت الفلاحين بتسليم حاصلاتهم الى الشون الحكومية الفرعية والتى كانت تنقل منها الى الشونه الرئيسية بالإسكندرية كذلك سيطرت الحكومة على الفائض الصناعى الحرفى عندما ألزمت الصناع على العمل تحت إشرافها وأجبرتهم على تسليم إنتاجهم لها بالاسعار التى تحددها . وحتى تحكم سيطرتها على الفائض الزراعي والصناعى فرضت رسوم الدخولية كما حظرت على المنتجين التعامل مباشرة مع التجار .

وبعد انتقال المنتج الزراعي والصناعى لِيَد الدولة احتكرت تسويقه فى الداخل كما تولت تسويقه خارجيا من خلال الاسكندرية التى كانت بمثابة المركز الرئيسى للتجارة فى مصر فى ذلك الوقت بعد ان حرم محمد على باشا على التجار الأجانب مغادرتها ولذا أصبحت تقعد بها الصفقات بين الحكومة والتجار . وقد انتهجت الدولة اكثر من وسيلة فى تسويق الانتاج المصرى فى الخارج والذى كان فى معظمه زراعيا ففى بداية عهد محمد على باعت الدولة هذا الانتاج مباشرة للتجار الأجانب المقيمين بالإسكندرية فى الوقت الذى باعت فيه محصول القطن منذ 1822 عن طريق احد التجار الإنجليز المقيمين بالإسكندرية لحسابها رأسا فى إنجلترا وحوالى سنة 1839 اتجه الباشا الى تأسيس وكالات خارجية لتسويق الحاصلات المصرية مباشرة فى الخارج لكن عدم توافر الثقه والنزاهة فى الوكلاء دفعته الى العدول عنها والعودة الى طريقة البيع بالمزايدة فى الاسكندرية والتى درج عليها منذ 1835.

وعلاوة على احتكار الدولة تصريف الفائض الزراعي والصناعى بما عاد عليها بعائد وفير اصبح قوام الإيرادات المالية فقد اتجهت لإعادة تجارة العبور عبر مصر بين الشرق والغرب . وقد نجحت فى ذلك بفضل إصلاح الطريق الصحراوى بين القاهره والسويس . وتيسير السفر فيه وبسط الأمن بين ربوعه . وحفر ترعة المحمودية بين الاسكندرية والنيل وتنظيم حركة النقل .

وهكذا أقام محمد على نظاما اقتصاديا كانت أوربا قد تجاوزته من فترة بعد ان تقدم رأس المال الصناعى على رأس المال التجارى وراح يعمل فى ظل الحرية الاقتصادية الى البحث عن توابع تصلح لان تكون مصدرا للمواد الخام وأسواق لتصريف منتجاته وبينما كان النظام العالمى بقيادة بريطانيا يعمل من اجل ذلك فى العالمين القديم والحديث اذا به يجد ان محمد على قد أوجد نظاما اقتصاديا أغلق امام الرأسمالية العالمية السوق المصرية ومنطقة الشرق الأدنى بعد ان أصبحت مصر تصدر اقمشتها الى دول شرق البحر المتوسط ( الشام ، جزيرة العرب ، العراق ، فارس ، الأناضول ).

لكن محمد على لم يقبل العمل بهذه الاتفاقية واستمر فى سياسته الاقتصادية مما أدى الى اصطدامه بالغرب الذى قادته بريطانيا والتى فرضت حصارا على السواحل المصرية فى سبتمبر 1840 واجبرت محمد على تحت تهديد السلاح بالموافقة على ما جاء فى معاهدة لندن 1840 والتى أكدت على ما جاء بمعاهدة 1838 .

ورغم قبول محمد على بشروط الغرب الا انه لم يذعن لالغاء الاحتكارات الاتدريجيا لخطورة إلغاء نظام اعتادته البلاد مده طويلة دفعه واحدة . ففى 23 نوفمبر 1841 وتحت إلحاح إنجلترا ألغى احتكار المنتجات الصناعية والحاصلات الزراعية ماعدا القطن الذى اطلق تجارته فى مايو 1843 . وقد كان هذا الاذعان يعد بداية النهاية لنظام رأسمالية الدولة بعد ان أخذ الأجانب يتدفقون برؤوس اموالهم الى مصر ويحلون محل الدولة فى إدارة وتوجيه الاقتصاد المصرى خصوصا بعد ان وأدت الدولة كل محاولات نشوء رأسمالية مصرية .

(من كتاب ( تاريخ مصر الحديث
د : احمد الشربينى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.