وصف القاهره قديما

مدينه القاهره : اول ما يواجه القادم من الشام الى مصر هى مدينه ( القاهره ) لانها تقع جنوب وادى النيل مما يلى الشام ، وتسمى بالقاهره المعزية ، أمل الفسطاط فيطلق على معسكر مصر . وقصه بناء القاهره هى ان احد أبناء أمير المؤمنين الحسين بن على صلوات الله عليهم اجمعين المسمى بالمعز لدين الله ، بعد ان ملك الغرب وبسط سلطانه على الأندلس ، بعث الى مصر جيشاً عظيماً . ومع ان نهر يتحرك الا ابتلعه فإن جيش المعز لدين الله استطاع عبور ذلك النهر العظيم وفتح مصر ويزعمون ان السحره وضعوا حول نهر النيل بعض الطلاسم التى تمنع اذى التماسيح عن الناس والحيوانات على الساحل ، اما النهر فان احد لا يستطيع الاقتراب منه أبداً كما يحكى ان المغز لدين الله امر جيشه عند الوصول الى مصر وقبل عبور النيل ان يطلقوا امام الجيش كلبا اسود ثم يعبرون خلفه وهكذا كان ، فلم يتعرض احد من الجيش لأذى التماسيح . ويقولون ان عدد جيش المعز لدين الله الذى عبر النيل كان يتكون من ثلاثين الف فارسى بكامل عدتهم ، وكلهم من مماليك السلطان ، يتقدمهم ذلك الكلب الأسود سابحا ولَم يسبق لجيش هكذا ، ان عبر النيل من قبل ، وكان فتح مصر سنه ثلاث وستين وثلاثمائة . اما المعز لدين الله الفاطمي وكبار حاشيته فقد جاؤا الى مصر عن طريق البحر ، وعندما اقترب موكبه من القاهره امر بإخلاء تلك السفن ووضعها على اليابسة ليتفرج عليها الناس ، ولَم يأذن لأحد باستعمال تلك السفن بعد ذلك ، وكان المعز يكافئ تلك السفن بذلك وفاق ما اوصلته سالما الى مصر .
وأخبرنى راوى هذه القصه انه رأى تلك السفن المعروضه على اليابسه وعددها سبع سفن طول كل سفينه خمسون ذراعا وعرضها سبعون ذراعا وقد ظلت تلك السفن فى معرضها ثمانين عاما . والشخص الذى روى لى هذه القصه جاء الى مصر سنه احدى واربعين واربعمائة ، عندما وصل المعز لدين الله الفاطمي الى مصر استقبله قائد من قواد الخليفة العباسي كان يتولى امر مصر
ودخل القائد العظيم فى طاعه المعز ( ترى من هو هذا الحاكم العباسي ؟) ، وسار المعز بجيشه فى ذلك المكان ، وسميت القاهره بهذا الاسم لان الجيش الفاطمي القاهره نزل بها . منع المعز لدين الله عسكره من دخول مصر وشدد فى المنع ، حتى لا يتعرضوا للناس بالأذى . وفى ذلك الفضاء الواسع بنى للمعز قصر وأمر أفراد حاشيته باتخاذ المنازل وصار الموضع مدينه عديمة النظير . ولقد قدرت عدد الدكاكين فى مدينه القاهره فوجدتها لا تقل عن عشرين الف دكان ، وكلها ملك خالص للسلطان ، وأجره اغلب هذه الدكاكين عشره دنانير مغربيه فى الشهر ، ولا تقل عن دينارين بحال من الأحوال . اما الحمامات العامه ومحطات اقامه المسافرين والقصور فهى كثيره لا تدخل تحت مصر ، وكلها خالصه لسلطان مصر ، ولا حق لأى إنسان فيها ، الا ما يبنيه الناس من خالص اموالهم . وسمعت ان القاهره ثمانيه آلاف منزل كلها من املاك السلطان تؤجر شهرياً للناس حسب رغبه المستأجر وتحصل منهم الاجور فى اخر كل شهر دون قهر وتعد وظلم . ويقع قصر الخليفة فى قلب مدينه القاهره ، وحوله فضاء واسع من جميع جوانبه ولا يسمح لاى شخص بالبناء بالقرب منه ، ولقد ذكر المعماريون ان المساحه المحيطة بالقصر تعدل مدينه ( ميافارقين ) ، ويقوم على حراسه القصر ليلا الف حارس مسلح ، خمسمائة فارس وخمسمائة راجل ، وتظل أصوات الطبل والمزامير السلطانية تسمع فى كل أنحاء المدينة منذ غروب الشمس حتى طلوع الفجر .
ويبدو القصر السلطاني من خارج القاهره كجبل عظيم شديد الارتفاع شامخ الشرفات ، اما من داخل القاهره فلا يكاد المرء يرى شيئاً منه لان حوائطه عاليه جداً . ويزعمون ان فى القصر اثنى عشر الف خادم ، اما نساء السلطان وجواريه فلا يعلم احد عددهم الا تخمينا – ويقولون ان تعداد كل من بالقصر يصل الى ثلاثين الف شخص .
وللقصر عشره أبواب ولكل باب اسم على النحو الآتى : باب الذهاب – بال البحر باب السريح. باب الزهومه – باب السلام – باب الزبرجد – باب الزبرجد – باب العيد – باب الفتوح – باب الزلاقة – باب السريه . ويوجد تحت ارض القصر باب سرى يخرج منه السلطان عندما يغادر القصر ، وللسلطان قصر اخر خارج مدينه القاهره يتصل بهذا القصر الرئيسى بممرات سريه تحت الارض ، وبين القصرين نفط يربط بينهما . وكل خدم السلطان وحاشيته من المماليك السود والاروام ، اما رئيس الوزراء فيعين عاده من قبل السلطان ويشترط فيه الزهد والورع والامانة والصدق والعلم والعقل ، باختصار هو شخصيه فذه جداً ، ويتم اختياره بشكل دقيق جداً . وشرب الخمر محرم تحريما باتا ، ولَم يسمع احد ان إنسانا جرأ على شرب الخمر فى ايّام الحاكم بأمر الله ، ولَم يكن يسمح للنساء بالخروج سافرات ، كما ان تخمير الزبيب كان محرما ، بل ان الحاكم منع تداول الزبيب حتى لا يتخذ الناس منه الخمر ، ولَم يكن يجرؤ اى إنسان على شري الخمور والأنبذة المسكرة .
صفه أبواب القاهره
وللقاهره خمسه أبواب : باب النصر – باب الفتوح – باب القنطره – باب زويله – باب الخليج . وليس القاهره سور لان منازلها شديده الارتفاع وهى بمثابه سور للمدينه بل أقوى وارفع من السوار ، فان كل قصر بمثابه سور ، واغلب منازل القاهره من النيل ، يجلبه السقاؤون الى البيوت ، وكلما كانت آبار الماء قريبه من نهر النيل كانت أشد عذوبه ، وكلما بعدت عن النيل كانت أشد ملوحة .
ويقولون ان فى مدينتى القاهره ومصر خمسين الف جمل لجلب المياه الى جانب السقائين الذين يحملون الماء على ظهورهم ، ويستخدم السقاؤون القرب لحمل الماء ، ويتجوّلون فى الحوارى الصيقه التى لا تستطيع الجمال ولوجها .
ويرى الانسان فى قلب القاهره كثيرا من الحدائق التى تتخلل المنازل وتسقى من مياه الآبار ، وفى الحرم السلطاني حدائق كثيره تصل اليها المياه عن طريق الطواحين المائية ، ولَم ار فى حياتى اجمل من هذه الحدائق الناضره النتشره .
ورايت فى اعلى الأسطح كثيرا من الحدائق الجميله بهجه للناظرين ، وفى الوقت الذى كنت فيه فى القاهره كانت تؤجر قطعه الارض التى مساحتها عشرون ذراعا فى اثنا عشر ذراعا بخمسه عشر ديناراً مغربياً فى الشهر . ويوجد فى مثل هذه المساحه بناء ذو اربعه ادوار . وكان صاحب المنزل يسكن فى اعلى العماره ويؤجر الأدوار الثلاثه الباقيه للراغبين من الناس ، وقيمه الأجر الشهرى لكل دور خمسه دنانير مغربيه فى الشهر .
واراد احد السكان ان يستأجر الدور العلوى الخاص بصاحب المنزل على ان يدفع خمسه دنانير مغربيه كل شهر ، الا ان صاحب المنزل رفض مع انه لم يسكن فى ذلك الدور خلال العام الا مرتين فقط . وقصور القاهره نظيفه منسقه كما لو كانت مبنيه من الجواهر وليست من الطين اللين ، وهى قصور متباعدة عن بعضها الاخر بشكل منفصل بحيث ان أشجار اى بيت لا تتدلى على البيت الاخر ، فان أراد الانسان هدم بيته واعاده عمارته لم يسبب اذى لاى جار من جيرانه
وإذا خرجت من القاهره واتجهت الى غرب المدينه ، رأيت مجرى مائيا عظيما يسمى الخليج . ويقال ان والد السلطان الحالى هو الذى امر بحفره ، وأوقف عليه خراج ثلاثمائه قريه من الخاصه السلطاني . ويسيل الخليج من مصر متجهاً الى القاهره ويغذى القصر السلطانى بالمياه اللازمه .
وقد أقيم على فم الخليج عمارتان تسمى الاولى ( اللؤلؤة ) وتسمى الثانية ( الجوهره ) وللقاهره اربعه مساجد جامعه ، يؤمها الناس خاصه فى الجمع ، وهى الجامع الأزهر وجامع نور ، وجامع الحاكم ، وجامع المعز ، ويقع جامع المعز خارج مدينه القاهره وعلى ساحل نهر النيل . والمسافة بين مصر والقاهره اقل من ميل . ومصر فى الجنوب والقاهره فى الشمال ، ويأتى النيل من مصر ويصل الى القاهره ، وحدائق وريف المدينتين متصله ببعضهما . وفى فصل الصيف تتحول الصحراء والريف الى بحر عظيم من الفيضانات وتغطى المياه كل شئ .
من كتاب ( دراسه فى مصادر التاريخ الإسلامى )
للكاتب ( د: هويدا عبد المنعم ادريس )

READ  ما قاله الرحاله ناصر خسرو عن وصف مصر

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.